كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأنبياء من الآية( 31) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

31 - (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ ) أي جبالاً (أَن تَمِيدَ بِهِمْ ) يعني لئلا تميل بهم ،
ومن ذلك قول اُميّة بن أبي الصلت : تَمِيدُ الأرْضُ إنْ رَكِبَتْ تَمِيمٌ وإنْ نَزَلُوا سَمِعْتَ لَهَا أَنِينَا
وقال عنترة : مُنَعَّمَةُ الأطْرافِ خُودٌ كأنَّها هِلالٌ علَى غُصْنٍ مِنَ البانِ مائِدِ
فإنّ الله تعالى جعل الجبال توازناً للأرض لتسير بنظام وتدور حول محورها بنظام فلا تتمايل على جِهة اليمين أو الشمال فيختلّ النظام (وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا ) أي طُرُقاً بين الجبال مفردها "فجّ " وهو المنخفَض بين الجبال ،
ومن ذلك قول حسّان : وكأنَّنِي رِئْبالُ غابٍ ضَيغَمٌ يَقْرُو الأماعِزَ بِالفِجاجِ الأَفْيَحِ ثمّ بيّنَ سُبحانهُ ما هيَ الفجاج
فقال (سُبُلًا) أي طُرُقاً ، جمع طريق (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ) إلى ديارهم ومقاصدهم .

32 - (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ ) ويريد بها الطبقات الغازيّة الّتي فوق طبقة الهواء وهي غازات خانقة وسامّة (سَقْفًا) فوق الأرض (مَّحْفُوظًا) أي حافظاً ومحفوظاً ، فالسماء تدفع عنّا خطر الإشعاعات الضارّة ، وأمّا كونها محفوظاً من صعود الجنّ والشياطين إليها . فالسماء تدفع عنّا خطر الإشعاعات الضارّة فنحنُ في مأمنٍ من أخطارها لأنّنا نعيش على الأرض في حماية غلافها الجوّي الّذي لا يُنفِذ هذه الإشعاعات ، وهو في هذا يشبه المرشِّح الّذي يُمرّر الماء إلى الشاربين نقيّاً خالياً من الشوائب والأملاح الضارّة . فالهواء الجوّي يُرشّح يُرشّح أشعّة الشمس من معظم ما بها من الأشعّة فوق البنفسجيّة ومن كلّ ما تحتوي عليهِ تقريباً من أشعّةِ جاما القاتلة والأشعّة الكونيّة وأشعّة إكس ذات الموجات القصيرة جدّاً ، وذلك بأن يُشتّتها في طبقاته العُليا فلا تصل إلى الأرض . والأشعّة البنفسجيّة هيَ أخفّ الإشعاعات ذات الموجات القصيرة إضراراً بجسم الإنسان وهي أقربها من حيث طول الموجة إلى الإشعاعات الملوّنة . (وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ ) لا يُفكّرون بها ، وآياتها هي جنان الدنيا ، والمعنى : كما لكم جنان في الدنيا "بساتين" كذلك في الآخرة عندنا بساتين ولكنّها روحانيّة وليست مادّية .

33 - (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللّيل وَالنَّهَارَ ) بسبب دوران الأرض حول نفسها (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ) للحرارة والضوء ومنافع اُخرى (كُلٌّ) من الكواكب السيّارة وتوابعها (فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) في الفضاء ، أي كلّ جُرمٍ منها يدور في فلكهِ ، فالكواكب السيّارة تدور حول الشمس ، والأقمار تدور حول الكواكب ، والشمس تدور حول نفسها من اليمين إلى الشِمال ، والكلّ في حرَكة مُستمرّة . و"الفَلَك" معناه الدائرة الّتي يسير فيها الجُرم بدورة كاملة .

34 - (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ) أي لم نجعل أحداً من البشر مُخلّداً باقياً في الدنيا بل كلّهم ماتوا وانتقلوا إلى عالم الأثير عالم النفوس ، فالمسيح مات وإدريس مات وأنت تموت ،
ومن ذلك قول زُهير : أَلا لا أَرَى عَلَى الحَوادِثِ باقِيَا ولا خالِداً إلا الجِبالَ الرَّواسِيَا
(أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ) كلا سيموتون أيضاً ونُعاقبهم على أفعالهم . ونظيرها في سورة الزُمَر قوله تعالى {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ } .

35 - (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ) أي تذوق ألم الموت (وَنَبْلُوكُم) البلاء معناه الإختبار ،
ومن ذلك قول لبيد يُخاطب زوجته : ولقَد بَلَوْتُكِ وابْتَلَيْتِ خَلِيقَتي ولقَد كفَاكِ مُعَلِّمي تَعْليمي
(بِالشَّرِّ) مرّةً (وَالْخَيْرِ) مرّةً ، والغاية من ذلك (فِتْنَةً) أي اختباراً لنرى هل تصبرون على الشرّ وتشكرون على الخير أم تكفرون . فالفتنة هي البليّة والمشكلة والاختبار ،
ومن ذلك قول عنترة : يا عبلَ كَمْ فِتْنَةٍ بُلِيتُ بِها وخُضْتُها بِالْمُهَنَّدِ الذَّكَرِ
(وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) بعد موتكم فنجازيكم على أعمالكم ، الشاكر على شكرِه والكافر على كفرِه .

36 - (وَإِذَا رَآكَ الّذينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا ) قائلين (أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ ) بالسوء (وَهُم) أي المشركون (بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ ) أي مُنكِرون ، لأنّهم لم يسمعوا قبل نزول القرآن بأنّ الله يُسمّى الرحمان .

37 - (خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ) أصلها "من عَجِلٍ" بكسر الجيم ، أي من ماءٍ عَجِل ، يعني سريع الإنزال وسريع الخروج من مكانهِ وهو المني ، وممّا يؤيّد هذا قولهُ تعالى في سورة الطارق {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ . خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ } ، أي سريع الخروج . (سَأُرِيكُمْ آيَاتِي ) في آخر الزمان ، يعني من خوارق العادات كانشقاق القمر وتسيير النيازك نحو الشمس وتبعثر الجبال ووقوف الأرض عن دورتها المحوريّة وغير ذلك (فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ ) لأنّ في التأنّي السلامة وفي العجلة الندامة .

38 - (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) أي متى تقوم الساعة الّتي تعدوننا بها وبالعذاب الّذي يُصيبنا فيها ، فأجاب الله تعالى عن سؤالهم هذا فقال :

39 - (لَوْ يَعْلَمُ الّذينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ ) يعني تحيط بهم النار من كلّ جانب فلا يستطيعون الخلاص منها ، وذلك بعد موتهم يدخلون جهنّم (وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ) أي لا ينصرهم أحد فيخلّصهم من النار ، وتقديره لو يعلمون ذلك ما استعجلوا بطلب العذاب ولا قالوا متى هذا الوعدُ إن كنتم صادقين .

40 - (بَلْ تَأْتِيهِم ) الساعة (بَغْتَةً) أي تأتيهم ساعة الموت فَجأةً (فَتَبْهَتُهُمْ) حين يرَون ملائكة الموت الّتي تقبض نفوسهم من أجسامهم ، أي يبقون في حيرة (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا ) أي لا يستطيعون ردّ الملائكة عنهم (وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ) أي ولا يُمهَلون إلى وقتٍ آخر ليتوبوا ويؤمنوا .

41 - (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ ) يا محمّد كما استهزأ هؤلاء بكَ (فَحَاقَ) أي أحاط العذاب (بِالّذينَ سَخِرُوا مِنْهُم ) أي سخِروا من الرُسُل (مَّا كَانُوا بِهِ ) أي بالعذاب ووقوعهِ (يَسْتَهْزِؤُون) أي مُكذّبين بوقوعه غير مُصدّقين .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم