كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الفرقان من الآية( 20) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

20 - ثمّ عادَ سُبحانهُ إلى مُخاطَبة النبيّ فقال (وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ ) كما تأكل أنت (وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ) كما تمشي ، فلماذا يستنكرون عليك الأكل والمشي (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ) أي جعلنا الرُسُل لأقوامهم فتنة وجعلنا الأقوام لرُسُلهم فتنة ، و"الفتنة" معناها الاختبار ، والمعنى : نُرسل الرسول إلى قومهِ لنختبرهم هل يؤمنون أم يصدّون عن الإيمان ، ونختبر الرسول بأذى قومهِ هل يصبر على أذاهم أم يجزع ، فالمراد من الرُسُل الصبر على أذى قومهم ، والمراد من القوم الإيمان برسولهم ، وبذلك نختبر بعضهم ببعض (أَتَصْبِرُونَ) أيّها الرُسُل أم تجزعون ، هذا اختبارنا لكم (وَكَانَ رَبُّكَ ) يا محمّد (بَصِيرًا) بعبادهِ فيختار منهم للرسالة من كان صبوراً لا يجزع .

21 - (وَقَالَ) المشركون (الّذينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا ) أي لا يؤمنون بالبعث والجزاء (لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ ) فيشهدون بأنّ محمّداً صادقٌ فيما يقول فحينئذٍ نؤمن برسالتهِ (أَوْ نَرَى رَبَّنَا ) فيكلّمنا بأنّ محمّداً رسول أرسلهُ إلينا فنؤمن برسالتهِ . فقال الله تعالى (لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا ) بهذا القول (فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا ) أي جاوزوا الحدّ في المخالَفة والطُغيان .

22 - (يَوْمَ) موتهم (يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ) التي تقبض أرواحهم ، يعني تُخرج نفوسهم من أجسامهم (لَا بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ) وهذا مثل يضرب لوقوع العذاب عليهم ، والمعنى العذاب للمجرمين والبشرى للصالحين بدخول الجنة (وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا) أي تقول الملائكة لهؤلاء المجرمين حِجزاً لكم وسجناً من قبل الشياطين محجوزاً إلى يوم القيامة ، والمعنى إنّ الشياطين ستستولي عليكم وتحجزكم إلى يوم القيامة . يقال حَجَرَ القاضي عليه أي منعه من التصرف في ماله ، وحجره أي حجزه ، والمرأة محجورة في دارها أي لا تخرج منه ، ومن ذلك قول عمرو بن كلثوم :

وسيّد معشرٍ قد توّجوهُ ..... بتاج الملك يحمي المحجَرينا
وقال الأعشى :
حَجَرُوا عَلى أضْيَافِهِمْ وَشَوَوْا لهمْ ..... مِنْ شَطّ مُنْقِيَةٍ وَمِنْ أكْبَادِ
يعني منعوا أضيافهم من المسير وشوَوا لهم أكباد الغنم فأكلوا .

23 - (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا ) المشركون (مِنْ عَمَلٍ ) صالح (فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ) أي غُباراً مُنتشراً في الجوّ لا يستفيدون منهُ ولا يؤجَرون عليهِ ، لأنّ المشرك لا تُقبَل أعماله .

24 - (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ ) أي يوم موتهم وانتقالهم إلى الآخرة (خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا ) من المترَفين في الدنيا (وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ) من المشركين المتنعّمين في الدنيا . "المقيل" معناهُ الراحة ، و"القيلولة" النوم القليل بعد الظُهر ،
ومن ذلك قول عنترة : وحُطَّا علَى الرَّمْضاءِ رَحْلِي فإنَّها مَقِيلِي وإخْفاقُ البُنُودِ خِيامِي
وقال كعب بن زُهير : غُرابٌ وذِئبٌ يَنْظُرانِ متى أرَى مُنَاخَ مَبِيتٍ أو مَقِيلاً فأنْزِلُ
إنّ الأنبياء والشهداء والأولياء والصالحين حين موتهم يدخلون الجنان الأثيريّة . أمّا المذنبون من الناس الموحّدين فينقسمون إلى قِسمين فبعضهم يدخلون الجنّة حين تقف الأرض عن دورتها المحوريّة ، والقِسم الثاني وهم المجرمون من الموحّدين يدخلونها يوم القيامة بعد أن يستوفوا عذابهم على الأرض .

25 - (وَيَوْمَ) القيامة (تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ) أي بالضباب والدخان ، فالسماء هي الطبقات الغازيّة ، يعني تتشقّق ويختلط بعضها بالبعض فتكون كالدخان أو كالغمام أي السحاب الأسود المتكاثف ، والشاهد على ذلك قول عنترة:

وَبيضُ سُيوفٍ في ظِلالِ عَجاجَـةٍ ..... كَقَطرِ غَـوادٍ فـي سَـوادِ غَمـامِ
(وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ) من السماوات الأثيرية إلى المحشر (تَنزِيلًا) بإذن ربّهم .

26 - (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ) أي الملْك الحقيقي الّذي يبقَى ولا يزول هو الأثيري فهو مُلكٌ (لِلرَّحْمَنِ) يهبهُ لمن يستحقّهُ بأعماله ، وهو ما في الجنان الأثيريّة (وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ) لشدّةِ أهوالهِ .

27 - (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ) ندماً وأسفاً على ما فاته ،
ومن ذلك قول عنترة : وكَمْ فارِسٍ يا عَبْلَ غادَرْتُ ثاوِياً يَعُضُّ على كَفَّيْهِ عَضَّةَ نادِمِ
وقال كعب بن زُهير يصف صيّاداً أفلتَ منهُ حُمُر الوحش وذهبَ سهمهُ بلا إصابة : يعضُّ بإبهامِ اليدَينِ تندُّماً ولَهَّفَ سِرّاً أُمَّهُ وهو نادِمُ
(يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ) أي ليتني اتّبعتُ محمّداً واتّخذتُ معهُ سبيلاً إلى الهُدى

28 - (يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ) وفلان كناية عن أحد رؤسائهم وقادتهم الّذينَ أضلّوهم ومنعوهم عن الإيمان بالنبيّ .

29 - (لَقَدْ أَضَلَّنِي ) فُلان (عَنِ الذِّكْرِ ) أي عن القرآن الّذي هو موعظة وتذكير (بَعْدَ إِذْ جَاءنِي ) بهِ محمّد من عند الله ، وأغواني الشيطان (وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ) أي يتبرّأ منهُ بعد أن يوقعهُ في المهالك .

30 - (وَقَالَ الرَّسُولُ ) محمّد (يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ) يعني متروكاً لم يؤمنوا بهِ ولم يقبلوه .

31 - (وَكَذَ‌ٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ) ليشيع أمر النبي ويذاع خبره ، كما قال الشاعر :

وإذا أرادَ اللهُ نشرَ فضيلةٍ ..... طُوِيَتْ أتاحَ لها لسانَ حَسودِ
( وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) أي حسبك الله هادياً وناصراً لك ولمن آمن برسالتك .

32 - (وَقَالَ الّذينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ) أي دفعة واحدة مكتوباً في كتاب ، فردّ الله عليهم قولهم فقال (كَذَلِكَ) أي كما أنزلناهُ متفرّقاً كذلك نُنزلهُ عليك يا محمّد في المستقبَل ولا ننزلهُ جملة واحدة كما يقترحون ، والغاية من ذلك (لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ) على الإيمان والاطمئنان بالرسالة ولتحفظهُ ولا تنساهُ (وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ) أي وفصّلناهُ تفصيلاً .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم