كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الفرقان من الآية( 58) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

58 - (وَتَوَكَّلْ) في قيامك بالتبشير والإنذار (عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ) وهو يُساعدك ولا تخف من هؤلاء المشركين فإنّهم يموتون (وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ) عند صلاتك (وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ) فيحاسبهم عليها .

59 - (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ) أي الكواكب السيّارة ومن جُملتها الأرض (وَمَا بَيْنَهُمَا ) يعني الأقمار (فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ) تقديرهُ فاسأل بأفعالهِ وقُدرتهِ مَن كان خبيراً بها ، أي فاسأل جبرائيل الّذي هو خبير بأفعال ربّهِ وقدرته .

60 - (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ) أي لهؤلاء المشركين (اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ ) إنّنا لا نعرفه (أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا ) ونترك آلهتنا (وَزَادَهُمْ) قولك (نُفُورًا) عن الحقّ .

61 - (تَبَارَكَ) أي تكاثر عطاؤهُ لك وللمؤمنين في الآخرة (الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا ) أي جعل في الجنّةِ قصوراً مُشيّدة ، فالبروج هي القصور ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة النساء {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } أي في قصور مُشيّدة ، وقد سبق شرح كلمة "البروج" في سورة الحجر أيضاً في آية 16 (وَجَعَلَ فِيهَا ) أي في السماء (سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا ) يُضيئان لأهل الجنّة أي جنّة المأوى وهي أوّل جنّة فوق الأرض . وإنّما يرَون الشمس قليلة الضياء كالسِراج لأنّهم في الفضاء لم يسكنوا على أرضٍ مادّية تعكس الأشعّة فيزداد شعاعها فلذلك يرَونها كالسراج  . وقد قال رُوّاد الفضاء لَمّا صعدوا إلى القمر أنّهم رأوا الشمس كأنّها سراج يضيء والفضاء أظلم [ أو مُظلِم ] كاللّيل .

62 - (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللّيل وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ) يخلفُ أحدهما الآخر (لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ ) أي لمن أراد أن يتّعِظ ويذكر ربّه بالصلاةِ والتسبيح والتكبير (أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ) على نعمائهِ .

63 - ثمّ أخذَ سُبحانهُ في مدح هؤلاء الذاكرين والشاكرين فقال (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ ) الذاكرون والشاكرون هم (الّذينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ) ، "الهَون" بفتح الهاء الرِفق والدعة ، ومن ذلك قول الشاعر : هُوْناكُما لا يَرُدُّ الدَّهْرُ ما فاتا لا تَهْلِكَنْ أسَفاً في إثْرِ مَنْ ماتا (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ ) بكلام غير مُناسب كالسبّ والشتم والسُخرية (قَالُوا) في جوابهم (سَلَامًا) منّا عليكم ، وفي هذا قال بعض الحُكماء : وذي سَفَهٍ يُخاطِبُنِي بِجَهْلٍ فآنَفُ أنْ أكونَ لَهُ مُجِيبَا يَزِيدُ سَفاهَةً وأَزِيدُ حِلْماً كَعُودٍ زادَهُ الإحْراقُ طِيبَا

64 - (وَالّذينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا ) في صلاتهم (وَقِيَامًا) يعني مرّةً يسجدون ومرّةً يقومون لقراءة سورة الفاتحة .

65 - (وَالّذينَ يَقُولُونَ ) في دُعائهم (رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ) في الآخرة (إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ) "الغرامة" هي الخسارة ،
ومن ذلك قول بشر بن أبي خازم : ويومُ النِّسارِ ويومُ الجِفارِ كانا عَذاباً وكانا غَرامَا
وقال الحُطيئة يصف أهل بيتٍ مُعوِزِين أتاهم ضيف فاصطادوا غزالاً وذبحوهُ لضيفهم : فَبَاتُوا كِراماً قَدْ قَضَوْا حَقَّ ضَيْفِهِمْ فَلَمْ يَغْرمُوا غُرْماً وَقَدْ غَنِمُوا غُنْمَا
والمعنى : من دخل جهنّم خسِرَ الجنّة .

66 - (إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا ) لمن يسكن فيها (وَمُقَامًا) لمن يُقيمُ فيها .

67 - (وَالّذينَ إِذَا أَنفَقُوا ) من أموالهم (لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا ) أي لا يُبذّرون ولا يُقتّرون (وَكَانَ) إنفاقهم (بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) أي قائماً بين الإسراف والتقتير .

68 - (وَالّذينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) لقضاء حوائجهم ولا يعبدون غير الله (وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ) قتلها (إِلَّا بِالْحَقِّ ) يعني إلاّ من يستحقّ القتل بسبب إجرامهِ (وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ) الّذي سبق ذكرهُ من الخِصال الذميمة (يَلْقَ أَثَامًا ) في عالم النفوس ، أي يلقى عقاباً على آثامهِ .

69 - (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) يعني يزداد عذابهُ على ماكان عليهِ في البرزخ (وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ) أي ويدوم في ذلك العذاب مُهاناً ذليلاً .

70 - ثمّ استثنى سُبحانهُ عن التائبين من هؤلاء فقال (إِلَّا مَن تَابَ ) عن ذنبهِ (وَآمَنَ) بربّهِ (وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) أي يبدّل عاداتهم الّتي اعتادوا عليها من عمل السيئات فيعملون بدلها حسنات بحُسنِ هدايتهِ لهم (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا ) للتائبين (رَّحِيمًا) بالنادمين .

71 - (وَمَن تَابَ ) من قول الشِرك (وَعَمِلَ) عملاً (صَالِحًا فَإِنَّهُ ) يجب عليهِ أن (يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ ) من أعمال الشِرك كما تابَ من القول (مَتَابًا) أي توبةً ثابتةً لا يعود بعدها إلى عملٍ يُشرك بهِ أحداً مع الله ، وذلك كالنذر لغير الله ، والاستعانة عند قيامهِ وقعودهِ بغير الله ، والتعظيم لغير الله ، وغير ذلك من أعمال الشِرك المنتشرة اليوم بين الناس .

72 - (وَالّذينَ لَا يَشْهَدُونَ ) شهادة (الزُّورَ) فمن شهدَ زوراً فعليهِ أربعون جلدة ويُسجن سنتين (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ ) يعني إذا صار طريقهم على مجالس اللّغو (مَرُّوا كِرَامًا ) لا يجلسون معهم ولا يشتركون في مجالسهم ، ومجالس اللّغو هي الّتي يقرأون فيها القصص الخياليّة ومجالس الطرب والمزاح ومجالس اللّهو (بالشطرنج والطاولي والدومنة) وغير ذلك ممّا لا فائدة فيها .

73 - (وَالّذينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ ) أي وُعِظوا بآيات ربّهم عند عزم أحدهم على ارتكاب معصية (لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا ) أي على المعصية كما يخرّ الصقر على فريستهِ (صُمًّا) عن استماع الوعظ (وَعُمْيَانًا) عن النظر إلى الحقّ ، بل يسمعون الموعظة ويتركون العمل بالمعصية .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم