كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة القصص من الآية( 59) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

59 - (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا ) أي في عاصمتها رسولاً (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ) ويبيّن لهم مقاصدنا (وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ) أي يظلمُ قويُهم ضعيفَهم .

60 - (وَمَا أُوتِيتُم ) أيّها الناس (مِّن شَيْءٍ ) مادّي (فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ) ولكنّه يُغريكم ويُلهيكم عن ذكر الله ثمّ تتركونهُ وتنتقلون إلى الآخرة (وَمَا عِندَ اللَّهِ ) من متاع أثيري (خَيْرٌ) من متاع الدنيا المادّي (وَأَبْقَى) منهُ لأنّه لا يَفنَى ولا يزول ولا ينفد (أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) فتستبدلون المتاع المادّي بالأثيري ؟

61 - (أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا ) من ثواب الآخرة ونعيم الجنّة جزاءً على طاعتهِ ، وهو المؤمن (فَهُوَ لَاقِيهِ ) في الآخرة (كَمَن مَّتَّعْنَاهُ ) بالمال (مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) ثمّ يتركها وينتقل عنها بالموت فيندم على ما فاتهُ من تحصيل الآخرة ، وهو المشرك (ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ) للعقاب حول جهنّم ، يعني أيكون حال المؤمن والكافر سواءً في الآخرة ؟ كلّا .

62 - (وَيَوْمَ) القيامةِ (يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الّذينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ 3) أنّهم يشفعون لكم ؟ فيقولون : "ضلّوا عنّا" ، أي افتقدناهم .

63 - ثمّ أخبرَ سُبحانهُ عن حال من مات من المشركين ومن أغواهم فقال تعالى (قَالَ الّذينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ) بالعذاب من الجنّ والشياطين (رَبَّنَا هَؤُلَاء الّذينَ أَغْوَيْنَا ) يُشيرون إلى أتباعهم من الإنس (أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ) أنفسنا بترك طاعتك (تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ ) اليوم (مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ) في الماضي ، أي تبرّأنا إليك منهم ومن عبادتهم لنا . لأنّ الكافرين يخدمون الشياطين جبراً في عالَم النفوس ، والشاهد على ذلك قوله تعالى عن لسان الملائكة وذلك في سورة سبأ {قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ } .

64 - (وَقِيلَ) للمشركين (ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ ) ليشفعوا لكم كما كنتم تزعمون (فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ ) فتمنّوا (لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ ) الطريق فيخرجوا من النار .

65 - (وَيَوْمَ) القيامة (يُنَادِيهِمْ) الملَك (فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ) حين دعَوكم إلى الإيمان ؟ فيقولون {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ } .

66 - (فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاء يَوْمَئِذٍ ) يعني أنباء الشفاعة الّتي كانوا يتنبّؤون عنها بقولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، يعني لم تتحقّق أنباؤهم بالشفاعة من أصنامهم بل ذهبت آمالهم فيها وضاعَتْ أحلامهم عندها . ومِثلها في المعنى في سورة الأعراف قوله تعالى {حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا } يعني افتقدناهم فلا نعلم بمصيرهم . ونظيرها في سورة غافر قولهُ تعالى {ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا } ، وقوله (فَهُمْ لَا يَتَسَاءلُونَ ) عن أهلهم وذويهم بل كلّ واحد منهم مشغول بنفسهِ عن غيره .

67 - (فَأَمَّا مَن تَابَ ) من الإشراك (وَآمَنَ) بالله وبرسوله (وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ) وإنّما أتى بلفظة "عسَى" مع أنّه مقطوع بفلاحهِ لأنّه إن داوم على ذلك يفلِح ، وقد يزلّ عن الإيمان فيما بعد فيخسر .

68 - ونزل فيمن قال {لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } ، فاختاروا الوليد بن المغيرة من مكّة وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) من الخلق (وَيَخْتَارُ) منهم رُسُلاً ، (مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) أي ليس لهم الاختيار على الله بل لله الخيَرة عليهم . لأنّ كلمة "ما" نافية ولا يكون معناها ويختار من كان لهم الخيرة ، كما ذهب إليهِ بعض المفسّرين (سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) أي تقدّسَ وتنزّه عن أن يكون له شريك في خلقهِ .

69 - ثمّ أقامَ البرهان على صحّة اختياره فقال تعالى (وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ ) من أسرار (وَمَا يُعْلِنُونَ ) من أخبار .

70 - (وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ ) في الكون (إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ ) عليكم ، يعني يجب عليكم أن تحمدوه على نعمائهِ (فِي الْأُولَى ) أي في الدنيا (وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ ) في عبادهِ يحكم لهم بما يستحقّون (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) بعد موتكم فيجازيكم على أعمالكم .

71 - (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ) ؟

72 - (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) ؟ سبق تفسير هاتين الآيتين في كتابي الكون والقرآن .

73 - (وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللّيل وَالنَّهَارَ ) مُتداوِلَينِ (لِتَسْكُنُوا فِيهِ ) أي في اللّيل (وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ) بالنهار لطلب الرزق (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) الله على ما أنعمَ بهِ عليكم .

74 - (وَيَوْمَ) القيامةِ (يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الّذينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ) أنّهم يشفعون لكم وكنتم تعبدونهم من دون الله ؟ فيقولون : ضلّوا عنّا ولم نعلم بمصيرهم .

75 - (وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا) أي أخذنا من كل أمّة شهيداً يشهد على الكافرين والمشركين من قومه والمكذّبين برسالته ، والشهيد هو الرسول79ونظيرها في سورة النحل قوله تعالى:{وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰؤُلَاءِ}. فالرسل تشهد عليهم بأنّهم كانوا مشركين . فحينئذٍ يقولون لم نعبدهم لأنهم آلهة ولكن ليشفعوا لنا عند الله . فتقول الملائكة ألم يرسل الله لكم رُسُلاً أنذرتكم عن عبادتهم وتقديس قبورهم؟ فيقولون بلى ، ولكن سمعنا آباءنا يقولون أنّها تشفع .

(فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) على شفاعتها ، يعني هاتوا كتاباً سماوياً مكتوباً فيه أنّ الأنبياء والأولياء يشفعون لمن يحبّون ولمن يريدون . كلّا لا برهان لكم على ذلك فإنّ الأنبياء والأولياء لا يشفعون إلّا لمن أذن الله لهم بشفاعته .
فقد جاء في سورة البقرة قوله تعالى{مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}. وجاء في سورة الأنبياء قوله تعالى: {لَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ}. وقال تعالى في سورة الأنعام {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}. وقال تعالى في آية 70 من سورة الأنعام { وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا} . وقال تعالى في سورة غافر {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} .
(فَعَلِمُوا) حينئذٍ (أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) من أمر الشفاعة .

------------------------------------

79 :وانما قال تعالى (وَنَزَعْنَا) يعني أخذناه من بين قومه بالموت ونزعناه من جسمه المادّي وأعددناه ليوم الحشر والحساب لكي يشهد على المشركين من قومه والمكذّبين برسالته .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم