كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة القصص من الآية( 76) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

76 - (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى ) واسمهُ بالعِبري قورح بن يصهار بن قهات بن لاوي (فَبَغَى عَلَيْهِمْ ) أي اعتدَى على موسى وجماعتهِ ، لأنّه حزّبَ حِزباً وتآمَروا ضدّ موسى ، فالبغي هو الاعتداء على الناس ،
ومن ذلك قول عنترة : وما راعَ قَوْمِي غيرُ قَوْلِ ابنِ ظالمٍ وكانَ خَبِيثاً قولُهُ قَوْلُ ماكِرِ بَغَى وادَّعَى أنْ ليسَ في الأرْضِ مِثْلُهُ فَلمَّا الْتَقَيْنا بانَ فَخْرُ الْمُفاخِرِ
فدعَى موسى عليهم فخسفَ الله بهم الأرض قارون وأهله وجماعته مع أموالهم وخيامهم إذ كانوا في الصحراء في التيه (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ ) اليوم (لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ) يعني إذا اُريدَ فتح تلك الكنوز وكشفها اليوم لا يتمكّن على ذلك إلاّ جماعة اُولي قوّة ، فالعُصبة هم الجماعة القويّة ، وقوله (مَفَاتِحَهُ) يعني فتحها وكشفها ، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة الأنعام {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } يعني لا يكشفها لنبيّهِ إلاّ الله ، والنوء معناه التعب والتكليف ،
ومن ذلك قول عمرو بن كلثوم : ومَتْنَيْ لَدْنَةٍ سَمَقَتْ وطالَتْ رَوادِفُها تَنُوءُ بِما وَلِيْنَا
وقال امرؤ القيس : تَمْشِي فَتُثْقِلُها عَجِيزَتُها مَشْيَ الضَّعيفِ يَنُوءُ بالوَسْقِ
(إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ ) من بني إسرائيل (لَا تَفْرَحْ ) يا قورح بالمال وتتكبّر علينا (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) أي البطِرين المتكبّرين .

77 - (وَابْتَغِ) أي واطلب (فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ ) من المال (الدَّارَ الْآخِرَةَ ) يعني أنفقْ من أموالك في سبيل الله لتجدها في الآخرة (وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) أي وأبقِ شيئاً منها لمعيشتك ، يعني خذ منها ما يكفيك وأنفِق الزائد على الفقراء والمحتاجين (وَأَحْسِن) بها إلى الناس (كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ) بالمعاصي (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) .

78 - (قَالَ) قارون (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ) . وهو وجد منجماً من الذهب فصار يأخذ منه ويصفّيهِ من الأتربة والأحجار ثمّ يُذيبهُ بالبوتقة ويجعله سبائك ، ولم يكن أحد يعلم بذلك من بني إسرائيل . فقال الله تعالى (أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ ) الماضية (مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ) للأموال فأهلكهم الله لَمّا طغَوا وتكبّروا (وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ) بل يُعرَفُ المجرمونَ بسيماهم فيؤخذوا بالنواصي والأقدام ، والمعنى : لا يُسئلون سؤال محاكمة بل سؤال توبيخ وتقريع .

79 - (فَخَرَجَ) يوماً (عَلَى قَوْمِهِ ) بني إسرائيل (فِي زِينَتِهِ ) أي في اللّباس والخدم والحشم (قَالَ الّذينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ ) من المال (إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) في الدنيا ، يعني لهُ النصيب الأوفر من المال .

80 - (وَقَالَ الّذينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) أي عُلماء بني إسرائيل (وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ ) في الجنّة (خَيْرٌ) من مال الدنيا (لِّمَنْ آمَنَ ) بالله وبرَسولهِ موسى (وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا ) يعني الجنّة (إِلَّا الصَّابِرُونَ ) على طاعة الله وعن زينة الدنيا .

81 - (فَخَسَفْنَا بِهِ ) أي بقارون (وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ) فابتلعتهم (فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ ) على موسى وهارون .

82 - (وَأَصْبَحَ الّذينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ ) حين خرجَ عليهم في زينتهِ (يَقُولُونَ وَيْ ) وهي كلمة تُستعمل للتعجّب ، ولا تزال تستعمل هذه الكلمة في لواء المنتفج (الناصرية) من ألوية العراق [ أو محافظة ذي قار من محافظات العراق ] ، (كَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ ) لا لكرامته عند الله (وَيَقْدِرُ) أي ويُضيّقُ على من يشاء لا لهوانٍ بل ليختبرهم بذلك (لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ) بالمال كما أعطَى قارون لأصبحنا مِثلهُ متكبّرين على رسول الله (لَخَسَفَ بِنَا ) الأرض كما خسفَ بقارون (وَيْ كَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ) لنِعم الله . وقد جاءت قَصّة قارون في مجموعة التوراة في سِفر العدد في الإصحاح السادس عشر .

83 - (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ ) يعني الجنّة (نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ ) أي تجبّراً وتكبّراً على الناس (وَلَا فَسَادًا ) بأعمال الشرك والمعاصي (وَالْعَاقِبَةُ) الحُسنى (لِلْمُتَّقِينَ) الّذينَ يتّقون الشِرك ويتجنّبون المعاصي . ثمّ وصف سُبحانهُ المتّقين فقال تعالى :

84 - (مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ ) يعني بالأعمال الحسَنة من هؤلاء المتّقين الّذينَ لا يُريدون علوّاً في الأرض ولا فساداً (فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ) أي خيرٌ دائم في الجنّة . ثمّ وصف المفسدين في الأرض فقال تعالى (وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ ) أي بالأعمال السيّئة (فَلَا يُجْزَى الّذينَ عَمِلُوا السيئات إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) يعني لا يُجزَون بخير بل يكون جزاؤهم العذاب في النار .

85 - لَمّا نزل النبي الجحفة هي بقعة بين مكة والمدينة وعرف الطريق إلى مكة اشتاق إليها ، فأتاه جبرائيل فقال أتشتاق إلى بلدك ؟ قال نعم ، قال فإنّ الله تعالى يقول (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ) قراءة (الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ) ، والمعنى : إنّ الذي أوجب عليك قراءة القرآن على الناس سيعيدك إلى مكة منتصراً عليهم فلا تحزن على فراقها . ولما قال المشركون لرسول الله أنت ضالّ عن الحق قال الله تعالى (قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) أنا أم أنتم .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم