كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة العنكبوت من الآية( 26) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

26 - (فَآمَنَ لَهُ ) أي لإبراهيم (لُوطٌ) يعني صدّق بقولهِ وسارَ على نهجهِ ، وكذلك زوجته سارة آمنت لهُ (وَقَالَ) إبراهيم لأبيهِ وقومهِ (إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى ) حيث أمرني (رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ ) في ملكهِ ينتقم منكم (الْحَكِيمُ) في إرسالي إلى أرض كنعان 3.

27 - (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ ) من بعدِ إسماعيل (وَيَعْقُوبَ) حفيداً لهُ من إسحاق (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ) أي في ذرّية إبراهيم (النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ) يعني الكتُب السماويّة (وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا ) وهو الذِكر الحسَن والولد الصالح والمال الكثير (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) أي من جملة الصالحين الّذينَ أسكنّاهم جنّة النعيم .

28 - (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ ) .

29 - (أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ ) شهوةً من دون النساء (وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ ) بفعلكم هذا ، أي تقطعون الطريق على المسافِرين فلا يمرّون على قريتكم إذا سمعوا بفعلكم هذا (وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ ) بالفُحش وكشف العورات (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ) قول مُستهزئ (ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) فيما تدّعيهِ من الرسالة .

30 - وعند ذلك (قَالَ) لوط (رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ) .

31 - (وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى ) أي لَمّا جاءت الملائكة إلى إبراهيم وبشّرتهُ بالولد (قَالُوا) أي الملائكة (إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ ) يعني قرية سدوم (إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ ) لأنّهم يأتون المسافِرين شهوةً في أدبارهم .

32 - (قَالَ) إبراهيم للملائكة (إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ) أي من المندثرينَ تحت الأنقاض .

33 - (وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا ) يعني ولَمّا جاءت الملائكة إلى لوط تخبرهُ بحلول العذاب لكي يرتحل من تلك القرية (سِيءَ بِهِمْ ) أي ساءَهُ مجيئهم (وَضَاقَ) صدرهُ (بِهِمْ ذَرْعًا ) لِما رأى فيهم من حُسنٍ وجمال وما كان يعلم من عادات قومه في المسافِرين والضُيوف ، فلمّا رأت الملائكة آثار الخوف على وجه لوط طمّنوهُ (وَقَالُوا لَا تَخَفْ ) علينا (وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ ) من الزلزال (إِلَّا امْرَأَتَكَ ) العجوز (كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ) .

34 - (إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ ) بعد خرابها بالزلزال (رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ ) أي عذاباً من الفضاء لنُهلك الباقين الّذينَ ينجون من الزلزال (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ) فاخرُجْ أنتَ وأهلك من القرية وابتعد عنها لئلاّ يُصيبك الزلزال . فخرج منها لوط وأهله وقت السَحَر وابتعدَ عنها ، وفي الصباح تزلزلت الأرض وتلايمت بيوتهم فوقهم وماتوا تحت الأنقاض ، وهي أربع قُرى وكانت مكان البحر الميّت ، وقد جاء ذكرها في التوراة في سِفر التكوين في الإصحاح التاسع عشر ، وأسماء القرى سدوم وهيَ مسكن لوط ، وعمورة وأدمة وصبوييم .

35 - (وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا ) أي من تلك القُرى الأربع (آيَةً بَيِّنَةً ) أي علامة بيّنة ، وهو الخسف الّذي غمرتهُ المياه فأصبح بُحيرة ، (لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) يعني من يستعمل عقلهُ ويترك تقليدهُ لآبائهِ ويسمع بقصّةِ هؤلاء فيتّعِظ ويتجنّب المعاصي ويواظب على الطاعات ويربح في الدنيا والآخرة

36 - (وَإِلَى مَدْيَنَ ) أرسلنا (أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ) وقد سبق تفسير مِثل هذه الآية في سورة هود وسورة الأعراف (فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ) وحدهُ واتركوا عبادة الأصنام (وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ ) يعني وارجوا الثواب والنعيم في آخر يوم من أعماركم حيث تنتقلون فيهِ إلى عالَم النفوس (وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) يعني لا تُفسدوا فينتشر فسادكم في الأرض بسبب انتقالكم في السَفر والحضَر .

37 - (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ) يعني الزلزال (فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ) تحت الأنقاض

38 - (وَعَادًا وَثَمُودَ ) أهلكناهم قبل ذلك (وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم ) يا أهل مكّة صِحّة ذلك (مِّن مَّسَاكِنِهِمْ ) الخرِبة وآثارهم المندَثِرة وأخبارهم المتواتِرة (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ) كما زيّنها لكم في عبادة الأصنام (فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ) المستَقيم إلى سواء الجحيم (وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ) يعني وكانوا عُقلاء يمكنهم التمييز بين الحقّ والباطل ولكن لم يستعملوا عقولهم في الدِين لأنّهم مقلّدون لآبائهم كما قلّدتم أنتم .

39 - (وَ) كذلك أهلكنا (قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ ) وزيرَهُ (وَلَقَدْ جَاءهُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ) الدالّة على صدقهِ (فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ ) لنا ، أي ما كانوا بفائتين عذابنا

40 - (فَكُلًّا) من هؤلاء (أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا ) أي حصَى وهم قوم لوط (وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ) أي صيحة الأرض ودويّها لَمّا وقع الزلزال بأرضهم (وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ ) وهو قارون وأصحابهُ (وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ) بالماء وهم قوم نوح وفرعون وجندهُ (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ) بما أصابهم من الدمار (وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) بكفرهم وإشراكهم وسوء أعمالهم .

41 - ثمّ ضرب الله مثلاً بسدنة الأصنام والأوثان الذين يخدمونها ويدعون الناس إلى عبادتها كالعنكبوت التي اتخذت بيتاً للصيد فقال تعالى (مَثَلُ) السدنة (الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ) وهي الأصنام والأوثان ومن يدعو إلى عبادتها (كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا)82 لتصيد به الذباب والحشرات ، ولم تتخذه ليحميها من برد وحر ولا ليحميها عن الرياح بل لأجل الصيد فقط ، فكذلك خَدَمة الأصنام والأوثان اتّخذوها وسيلة لكسب المال من ضعفاء العقول فيجلبون لهم النذور والهدايا والقرابين وغير ذلك من أفرشة ومتاع ويعيشون على مال الحرام . ثمّ بيّن سبحانه بأنّ ذلك لا يدوم لهم إلا مدة قصيرة وينتقلون بموتهم إلى عالم النفوس فيعاقبهم على أفعالهم فقال تعالى (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ)أي أدقّها (لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) الحقيقة ، والمعنى إنّ الأصنام أضعف من كل مخلوق فهي لا يمكنها أن تدافع عن نفسها إذا أصابها خطر من تحطيم أو كسر فكيف يمكنها أن تدافع عنكم أو تشفع لكم ؟ وخيط العكبوت مكوّن من خمسة وعشرين خيطاً لكل واحد منها ، فترى الجمع بهذه الدقّة ، فكيف بدقّة خيط واحد من خمسة وعشرين ، وهذا لم يكن يعلمه احد من قبل لو لم تكشفه لنا آلات التكبير في هذا العصر ، وقد رسم العنكبوت وذنبه الذي يغزل الخيوط الشيخ طنطاوي جوهري في كتابه (الجواهر في تفسير القران) عند تفسير هذه الآية . والعناكب أجناس كثيرة تختلف باختلاف الأقطار التي تعيش فيها ، فبعض العناكب ضارّة سامّة تلدغ كالعقرب وبعضها نافعة تنسج الحرير مثل دودة القز .

ولقد أصبح اليوم الكثير من هؤلاء الدجّالين الذين يغوون الناس ويدعونهم إلى عبادة القبور بحجة أنّها قبور الأولياء لأجل أن يعيشوا على المال الحرام ولا يحسبون للعاقبة حساباً ، فترى رجلاً سيّء الأخلاق رذيلاً قد عافه الدهر ونبذه أهله يأتي إلى مكان يقع على طريق مارّة فيجمع التراب ويبني هناك قبراً ويأتي بخرقة خضراء فيضعها فوق القبر المصطنع ، ثم يأتي بشمعة فيوقدها فوق القبر ، ثم يضع له إسماً وينسبه لأحد أبناء الأنبياء أو المشايخ أو الائمة ، فإذا مرّ به أحد من الناس وسأله عن القبر فيقول هو إبن الحسن ، أو ينسبه إلى غيره من الأئمة ثم يأخذ في مدح ذلك القبر فيقول أنّه أظهر المعجزات فشفَى المرضى وفتح عيون العمي وأقام المقعدين فقاموا يمشون ، وهكذا يغوي الناس بكذبه ودجله فينتشر خبره في القرى والمدن المجاورة له فتأتي الناس بالهدايا والنذور والذبائح والشموع وغير ذلك ، فلا يذهب من الوقت سنة واحدة إلا وأصبح ذلك الرجل غنياً محترماً بين الناس له أنعام وأملاك ونقود وغير ذلك من مال الناس ، ولايعلم أنّه قد باع آخرته بدنياه وألقى نفسه في جهنم وألقى جمعاً غفيراً من الذين عبدوا القبور وقدّسوها ، فمثله كمثل السامري الذي صنع عجلاً من ذهب ودعا قومه لعبادته فعبدوه ، فهو شيطان من شياطين الإنس حسبه جهنم وبئس المصير .

------------------------------------

82 :والتاء للتأنيث ، لأنّ الأنثى هي التي تنسج البيت ، والانثى تأكل الذكر ، والافراخ بعضها يأكل بعضاً .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم