كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة العنكبوت من الآية( 47) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

47 - (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ ) كما أنزلنا على موسى التوراة (فَالّذينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ) يُريد بهم الّذينَ أسلموا من اليهود والنصارى (يُؤْمِنُونَ بِهِ ) أي بالقرآن (وَمِنْ هَؤُلَاءِ ) العرب (مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ ) لنِعمتنا .

48 - تمنّى النبيّ (ع) لو كان يعلم الكتابة فيكتب القرآن بيدهِ دون أصحابهِ حِرصاً عليه من التغيير ، فنزلت هذه الآية (وَمَا كُنتَ ) يا محمّد (تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ ) أي لم نجعلك تقرأ قبل القرآن كتاباً لا التوراة ولا الإنجيل ولا غيرهما (وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ) أي وما كنتَ تكتبهُ بيدك اليُمنى لأنّك لم تتعلّم الكتابة وذلك بإرادتنا ، فلو كنتَ كاتباً (إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ) يعني لو كنتَ تقرأ أو تكتب لوجد المبطِلون طريقاً إلى اكتساب الشكّ في أمرك وإلقاء الريبة في قلوب الناس ليصدّوهم عن الإيمان بك ، ولذلك لم نُعلّمك الكتابة ولا القراءة للكتب .

49 - (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الّذينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) يعني لا تخفْ على تغيير شيء من القرآن لأنّ العلماء من أصحابك حفظوهُ في صدورهم ولا يهمّكَ ذلك (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا ) أي بتغيير شيء منها (إِلَّا الظَّالِمُونَ ) فننتقم من كلّ ظالم في الآخرة .

50 - (وَقَالُوا) اليهود (لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ) مكتوبة في الحجر كما نزل بها موسى من عند الله ، يعني كالألواح فحينئذٍ نصدّقه (قُلْ) لهم يا محمد (إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ) ينزّلها كيف يشاء وقد ذهب العصر الحجري وهذا عصر العلم والمعرفة والبلاغة فلا داعي إلى نزول الأحجار ، ثم لو كنتم صادقين بأنّكم تؤمنون عند رؤيتها لما كذّبتم موسى لَمّا نزل بالألواح فقال آباؤكم من يصدّق أنّها من عند الله ، فانشقّ الجبل ومالت الشقّة عليهم لتقتلهم لولا أنّهم صاحوا آمنا وصدّقنا (وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ) فمن يريد الآخرة ونعيمها فليؤمن ومن أراد النار وجحيمها فليكفر .

51 - (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ) 83 دلالة على صدقك (أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ) فيخبرهم بما في توراتهم مع أنّك رجل أمّي عربي والتوراة مكتوبة بالعبري ، وعلاوة على ذلك إنّ التوراة أصبح فيها أغلاط كثيرة من تبديل وتغيير وقد جاء القرآن بالحقيقة وكشف النقاب عن الإغلاط التي كتبها عزرا بن سرايا (إِنَّ فِي ذَ‌ٰلِكَ) أي في إنزال الكتاب وكشف النقاب (لَرَحْمَةً) للمؤمنين لئلّا يفقدوا الصواب (وَذِكْرَىٰ) لأولي الألباب (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) بالله وبرسوله .

52 - (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا ) أي حاضراً يسمعُ أقوالكم ويرى أفعالكم فيعاقبكم عليها بعد مماتكم (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) فلا تخفَى عليهِ أسراركم (وَالّذينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ ) وهم المشركون من العرب سألوا بعض اليهود : "ما تقولون في محمّد هل هو نبيّ كما يدّعي أم هو ساحر؟" قالوا : "لو كانت نبوّة لنزلت فينا ، بل هو ساحر" . والمعنى : والّذينَ آمنوا بباطلكم أيّها اليهود (وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) لأنّهم سمعوا لقولكم وأنتم أضللتموهم عن الحقّ كما ضللتم أنتم .

53 - (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ) قومك (بِالْعَذَابِ) وذلك قول النضر بن الحارث: {أَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}.

فقال الله تعالى (وَلَوْلَا أَجَلٌ مُّسَمًّى) يعني لولا أن أخرّنا عنهم العذاب إلى أجَلٍ معدود ، أي إلى وقتٍ معيّن (لَّجَاءَهُمُ الْعَذَابُ) ولكن أخرّناه عنهم إلى وقت آخر لمصلحةٍ لايعلمونها (وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً) أي فَجأةً عند موتهم (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) اليوم بملائكة العذاب بين أيديهم تكتب أعمالهم وتحصي عليهم أقوالهم وتقبض نفوسهم حين آجالهم .

54 - (يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ) في الدنيا (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) في الآخرة ، يعني الكافرين الذين كانوا قبلكم ابتلعتهم الأرض فهم معذّبون في النار التي في جوفها وفي نار البراكين التي تخرج من جوف الأرض ، فالنار تحيط بهم من كل مكان ، وكذلك أنتم لَمّا تموتون تعذّبون بتلك النار أيّها المستعجلون بالعذاب .

55 - ثمّ ذكر الله سبحانه عذاباً آخر يصيبهم بعد ذلك وهو يوم تقف الأرض عن دورتها المحورية فيكون النهار سرمداً وتزداد الحرارة فيه فيكون طوله مقابل ألف سنة من سنيّنا فقال تعالى (يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ) أي يغمرهم ويغطّيهم (مِن فَوْقِهِمْ) بحرارة الشمس وأشعّتها (وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) بحرارة الأرض وتوهّجها (وَيَقُولُ) ملَك العذاب (ذُوقُوا) ألم العذاب جزاء (مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) في دار الدنيا من أعمالٍ سيئة .

56 - ثمّ بيّنَ سُبحانهُ أن لا عُذرَ لعبادهِ في ترك طاعته فقال (يَا عِبَادِيَ الّذينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ ) فإن منعوكم عن طاعتي فهاجروا إلى بلدٍ آخر تأمَنون فيه من عدوّكم (فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ) ولا تعبدوا غيري .

57 - ثمّ بيّنَ سُبحانهُ بأنّ الموت قريب فلا ينتظروا حتّى يتغيّر الوضع ولا يتماهَلوا في الهجرة فقال (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ) فبادِروا إلى عبادة الله وطاعتهِ قبل أن يُدرككم (ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) بعد موتكم فتُلاقوا جزاء أعمالكم .

58 - (وَالّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم ) أي لننزلنّهم (مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا ) "الغرفة" هيَ الحُجرة الّتي تكون في الطابق الثاني ، يعني فوق السطح وتسمّى العُلّية وجمعها علالي (تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) أجرهم فيها .

59 - (الّذينَ صَبَرُوا ) على أذى المشركين والهجرة لإظهار الدِين (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) في نشر دين الإسلام ولا يخافون لومةَ لائم .

------------------------------------

83 :أصلها ألم يكفِهم ، والواو للتحذير ، وتقديره ألم يكفهم القرآن دلالة على صدقك فيحذروا عقاب الله في مخالفتك ؟

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم