كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة آل عمران من الآية( 105) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

105 - (وَلاَ تَكُونُواْ كَالّذينَ تَفَرَّقُواْ ) في الدين ، وهم اليهود والنصارى فأصبحوا فِرقاً عديدة (وَاخْتَلَفُواْ ) في المذاهب (مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ ) على ألسن الرُسُل وفي التوراة (وَأُوْلَـئِكَ) المختلفون عن الحقّ وعن الحقيقة (لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) في الآخرة .

106 - (يَوْمَ ) القيامة (تَبْيَضُّ وُجُوهٌ ) بالبشارة بدخول الجنّة وما يصيبها من سرور (وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ) لِما يصيبها من حُزنٍ وكآبة . فبياض الوجوه كناية عن سرورها ، وسواد الوجوه كناية عن حزنِها وكآبتِها (فَأَمَّا الّذينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ ) يقال لَهم (أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) وهم الّذينَ ارتدّوا عن دين الإسلام بعد وفاة النبيّ ، والّذينَ اختلفوا عن دين التوحيد فأشركوا وغيّروا دينهم من بعد ما جاءَهم البيّنات ، ويدخل ضمن الآية كلّ منافق ، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة النساء {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ } ، (فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) .

107 - (وَأَمَّا الّذينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ ) وهم المؤمنون بالله وبرُسُله وعملوا الصالحات ولم يُشركوا بربّهم أحداً (فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ ) وهي الجنّة (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) أي دائمون فيها لا يخرجون منها .

108 - (تِلْكَ ) الآيات الّتي ذكرناها لك (آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ ) يا محمّد ، أي نقرأها عليك (بِالْحَقِّ ) أي بتبيان الحقّ لا اختلاف فيها (وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ ) بأن يتركهم يتخبّطون في الكفر والجهالة ثمّ يُعذّبهم بدون أن يُرسل لهم رسولاً يُعلّمهم ويُرشدهم إلى طريق الحقّ . والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة الإسراء {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً }

109 - (وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ) الغازيّة من طيور تطير ورزقٍ كثير (وَمَا فِي الأَرْضِ ) من مالٍ وفير فيهب منهما لمن يؤمن بالله ويدعو إلى الخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر (وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الاُمور ) بعد فراقها من الأجسام ، يعني إلى الله ترجع نفوسكم بعد الموت فيجازيكم على أعمالكم . فالأمر كناية المخلوقات الروحانية : كلّ قسم منها يُسمّى أمر وجمعها أمور .

110 - (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) ، والمعنى : ذكرتهم في الكتب السماويّة السابقة بأنّ نبيّكم خير الأنبياء واُمّته خير الاُمَم ظهرت للناس ، والمراد بهم المؤمنون من أمّة محمّد (ع) . (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ) وحده ولا تشركون به شيئاً (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ ) كإيمانكم ولم يشركوا (لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ) من بقائهم على دينهم (مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ ) كعبد الله بن سلام وأصحابه من اليهود والنجاشي وأصحابه من النصارى أسلموا وآمنوا (وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ) أي الخارجون عن طاعة الله ، لأنّهم عرفوا الحقّ وأنكروه .

111 - عمد رؤساء اليهود إلى من أسلم منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه وأنّبوهم ، فنزلت هذه الآية (لَن يَضُرُّوكُمْ ) اليهود بأفعالِهم (إِلاَّ أَذًى ) بألسنتِهم (وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ) منهزمين عنكم (ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ) . وعد الله المؤمنين بالنصر على اليهود وأنّهم لا ينالهم مضرّة من اليهود إلاّ أذىً من جهة الكلام فقط .

112 - (ضُرِبَتْ) أي اُنزلت واستحكمت (عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ) من الله بسبب حِقدهم وكفرهم وسوء أعمالِهم (أَيْنَمَا ثُقِفُواْ ) يعني أينما وُجِدوا (إِلاَّ) معتصمين (بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ ) ، والمعنى : ضُرِبت عليهم الذلّة في كلّ حين إلاّ في حال تمسّكهم بحبلٍ من الله وحبلٍ من الناس ، فحبل الله هو الكتاب السماوي ، وحبل من الناس هو النبي المعاصر لكلّ زمان فيهم ، والمعنى : إذا كانوا متمَسّكين بالتوراة يعملون بأحكامها لا يحيدون عنها ، ومُتمسّكين أيضاً بأقوال نبيّهم المعاصر لهم ففي ذلك الحين كانوا أعزّة غير أذلّة (وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ ) إستوجبوه بسبب كفرهم وإشراكهم ، يعني رجعوا بعد عِزّهم بغضب من الله ، ومن ذلك قول الحُطيئة : تَنادَوْا فَحَثّوا لِلتفَرّقِ عِيرَهُمْ فَباؤوا بِجَمّاءِ العِظامِ قَتولِ (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ) أي الخضوع والانقياد لحُكم غيرهم كرهاً (ذَلِكَ) الذلّ جزاؤهم في الدنيا (بِأَنَّهُمْ) أي بسبب أنّهم (كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ ) أي بغير ذنبٍ أذنبوهُ (ذَلِكَ) الغضب استَوجبوه (بِمَا عَصَوا ) أمر الله (وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ) على رُسُل الله .

113 - لَمّا نزلت الآية السالفة في ذمّ اليهود قالوا إذاً كلّ اليهود كافرون وكلّهم في جهنّم على حدّ قولكم حتّى الّذينَ أسلموا ، فنزلت هذه الآية (لَيْسُواْ) اليهود كلّهم (سَوَاءً) في الأعمال والأقوال بل (مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ ) أي جماعة (قَآئِمَةٌ) بالحقّ لأنّهم أسلموا وآمنوا ، وهم عبد الله بن سلام وأصحابه (يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ ) أي يقرأون القرآن (آنَاء اللّيل ) يعني في أوقات من اللّيل (وَهُمْ) مع ذلك (يَسْجُدُونَ) شكراً لله على هدايته لهم ، ويسجدون أيضاً إذا مرّت عليهم آية فيها سجدة .

114 - (يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ) وحدهُ لا يُشركون بهِ (وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) يعني ويؤمنون بيوم القيامة ، لأنّه يكون في آخر يوم من أيّام الأرض لأنّها تتمزّق في ذلك اليوم فلا يكون بعد ذلك فيها ليلٌ أو نهار (وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ ) في عمل (الْخَيْرَاتِ) وأدائها للفقراء والمحتاجين (وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ) وليسوا من جملة اليهود الفاسقين . فقالت اليهود لا يؤجَر هؤلاء مهما صلّوا وصاموا لأنّهم تركوا دين موسى واتّبعوا دين محمّد . فنزلت هذه الآية :

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم