كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الرّوم من الآية( 22) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

22 - (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) أي الكواكب السيّارة ومن جملتها الأرض (وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ ) يعني إختلاف لُغاتكم وأصواتكم فلا صوت أحدكم يشبه صوت الآخر مع كثرة المخلوقين (وَأَلْوَانِكُمْ) يعني واختلاف ألوانكم ، وهيَ أربعة الجنس الأبيض والأسود والأصفر والأحمر ، فلا أحد منكم يشبه الآخر مع وجود الملايين من الناس (إِنَّ فِي ذَلِكَ ) الإختلاف (لَآيَاتٍ) على قُدرة الله وحِكمته (لِّلْعَالِمِينَ) بهذه القدرة والحكمة .

23 - (وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللّيل وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ ) يعني طلب المعاش بالنهار والعمل فيهِ (إِنَّ فِي ذَلِكَ ) النوم باللّيل وطلب المعاش بالنهار (لَآيَاتٍ) على قدرة الله وحكمتهِ (لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ) كلام الله ويمتثلون أوامره .

24 - (وَمِنْ آيَاتِهِ ) الدالّة على وحدانيّتهِ (يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا ) من الصواعق (وَطَمَعًا) بإنزال المطر (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ ) أي من الفضاء (مَاءً) هو المطر (فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ) بالجدب (إِنَّ فِي ذَلِكَ ) البرق والسحاب والمطر (لَآيَاتٍ) على قُدرة الله وحكمتهِ (لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) أي يستعملون عُقولهم ويُفكّرون في هذه الحوادث .

25 - ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ) السماء يريد بها الطبقات الغازية التي فوق الأرض ، والأرض يريد بها كلّها ، والمعنى تقوم الكواكب السيّارة مع طبقاتها الغازية ، تقوم في الفضاء بما اُعِدّت له من حركات ودوران حول الشمس بانتظام فتكون من ذلك الفصول الأربعة ، وكذلك تقوم بدورانها حول محورها ليتكوّن بذلك الليل والنهار ، وتمرّ السنين والدهور على هذه الحالة لاتفتر عن الحركة ولاتكلُّ عن السير والدوران حتى تنتهي مدّتها فتتمزق المجموعة الشمسية وتقوم القيامة ، وكل ذلك بأمره وحكمته ( ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ ) إسرافيل (دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ ) حينئذٍ أنتم ايها المجرمون (تَخْرُجُونَ) من الأرض وتصعدون الينا إلى المحشر للحساب والجزاء .

ومما يؤيد هذا قوله تعالى في سورة الأسراء {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً} يعني مالبثتم في الأرض إلا قليلاً ، يعني مالثبتم إلا قليلاً من الزمن . والداعي هو إسرافيل يدعوهم ليصعدوا إلى المحشر وهم نفوس أثيرية .

26 - ( وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) عبيداً (كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ) أي منقطعون لله منقادون له بالعبودية فإن لم ينقاد بعضهم في الدنيا فسينقاد في الآخرة .

27 - (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ) من الأثير يعني الأرواح (ثُمَّ يُعِيدُهُ ) إلى الأثير وعالم النفوس (وَهُوَ) أي الإعادة إلى عالم النفوس ( أَهْوَنُ عَلَيْهِ) لأنّ إنشاء النفوس داخل الأجسام لا تتمّ وتكبر الّا في سنين معدودة ، ولكنّ انفصالها عن الأجسام بالموت يتمُّ بدقيقة واحدة ( وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ) وهو العزة والسلطان ، فالمثَل الأعلَى الذي يُضرب بين الناس في العزة يقولون :"فلان عزيز كأنه سلطان" ( فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) أي الكواكب السيّارة ومن جملتها الأرض (وَهُوَ الْعَزِيزُ) في ملكه ، ( الْحَكِيمُ) في خلقه .

28 - (ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا ) أيّها المشركون (مِنْ أَنفُسِكُمْ ) أي من عاداتكم وتقاليدكم (هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم ) من عبيدكم وإمائكم (مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ ) من المال والأملاك وغير ذلك (فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ) يعني في الملْك مُتساوون ، والمعنى : هل تَرضَون أن تُشارككم عبيدكم في أموالكم فتكونون مُتساوين في الملْك والمنزلة فلا حُرمةَ لكم عندهم حينذاك (تَخَافُونَهُمْ) في التصرّف والإرث (كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ ) يعني كما يخاف بعضكم من بعض أن يتصرّف بالمال بغير أن يستشير شريكهُ ، فإن كنتم لا تقبلون أن تكون عبيدكم شُركاء معكم في الملْك فكيفَ تجعلون شُركاء لله من عبيدهِ ومخلوقاتهِ (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ ) أي نبيّنُها على التفصيل (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) فيُميّزون بين الحقّ والباطل .

29 - (بَلِ اتَّبَعَ الّذينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم ) في الشِرك (بِغَيْرِ عِلْمٍ ) من كتاب سماوي ولا تدبّر عقلي (فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ) أي لا هاديَ لمن أضلّهُ الله بسبب ظُلمهِ للناس ولهُ عذاب النار في الآخرة (وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ ) ينصرونهم ويدفعون العذاب عنهم .

30 - ولما سار رسول الله بجيشه الجرّار يوم فتح مكة نزلت عليه هذه الآية (فأَقِمْ وَجْهَكَ) أي ليكن قصدك في هذا السفر وأنت قاصدٌ مكة ( لِلدِّينِ حَنِيفًا ) يعني أن تسير على دين إبراهيم الحنيف وشريعته ، وهي (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) أي شريعة إبراهيم التي سيّر الله أتباع إبراهيم عليها ، وهم المسلمون ، وشريعته شريعة التوحيد (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) أي لاتبدّلوا خلق الله من الغاية التي خلقهم لأجلها وهي العبادة ، ذلك قوله تعالى في سورة الذاريات {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ، (ذَ‌ٰلِكَ الدِّينُ) هو دين إبراهيم (الْقَيِّمُ ) على أتباعه وأولاده كالقيّم على الأيتام (وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) حقيقته فيتّبعون ديناً غيره .

31 - (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ) أي راجعين الى الله بالتوبة ( وَاتَّقُوهُ) ولاتخالفوا أوامره ( وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) .

32 - (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ) بعد التوحيد ( وَكَانُوا شِيَعًا) أي أحزاب ومذاهب عديدة ، وهم اليهود تفرّقوا في الدين بعد موت سليمان فعبدوا البعل وبعضهم عبدوا عشتاروت وبعضهم عبدوا الشعرى اليمانية ، وبعضهم عبدوا العجلين الذهبيّين اللذيّنِ صنعهما لهم يربعام بن ناباط (كُلُّ حِزْبٍ) منهم (بِمَا لَدَيْهِمْ) من أصنام باطلة (فَرِحُونَ) بها .

والمعنى : لا تكونوا مثلهم أيها المسلمون في المستقبل فتغيرون دينكم وتعبدون سادتكم ومشايخكم وقبور أئمتكم فتنذرون لهم النذور وتشيّدون لهم القبور وتستعينون بهم عند قيامكم وقعودكم وتسألون منهم حوائجكم وتقدسون قبورهم وتقربون لهم القرابين وتبخرون البخور وتوقدون الشموع وتقيمون لأجلهم الولائم وتنصبون عليهم المآتم وتضربون على الصدور وتخمشون الوجوه وتشقّون عليهم الجيوب وتفجّون الرؤوس فتسيل الدماء علاوةً على الدموع فيغضب عليكم ربكم ويسلّط عليكم عدوّكم ومن لا يرحمكم فتدعون لكشف الضرّ عنكم فلا يستجيب لكم ولا يسمع لدعائكم حتى تذوقوا عذاب الذل والاستعباد جزاءً لأفعالكم .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم