كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الرّوم من الآية( 26) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

26 - ( وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) عبيداً (كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ) أي منقطعون لله منقادون له بالعبودية فإن لم ينقاد بعضهم في الدنيا فسينقاد في الآخرة .

27 - (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ) من الأثير يعني الأرواح (ثُمَّ يُعِيدُهُ ) إلى الأثير وعالم النفوس (وَهُوَ) أي الإعادة إلى عالم النفوس ( أَهْوَنُ عَلَيْهِ) لأنّ إنشاء النفوس داخل الأجسام لا تتمّ وتكبر الّا في سنين معدودة ، ولكنّ انفصالها عن الأجسام بالموت يتمُّ بدقيقة واحدة ( وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ) وهو العزة والسلطان ، فالمثَل الأعلَى الذي يُضرب بين الناس في العزة يقولون :"فلان عزيز كأنه سلطان" ( فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) أي الكواكب السيّارة ومن جملتها الأرض (وَهُوَ الْعَزِيزُ) في ملكه ، ( الْحَكِيمُ) في خلقه .

28 - (ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا ) أيّها المشركون (مِنْ أَنفُسِكُمْ ) أي من عاداتكم وتقاليدكم (هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم ) من عبيدكم وإمائكم (مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ ) من المال والأملاك وغير ذلك (فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ) يعني في الملْك مُتساوون ، والمعنى : هل تَرضَون أن تُشارككم عبيدكم في أموالكم فتكونون مُتساوين في الملْك والمنزلة فلا حُرمةَ لكم عندهم حينذاك (تَخَافُونَهُمْ) في التصرّف والإرث (كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ ) يعني كما يخاف بعضكم من بعض أن يتصرّف بالمال بغير أن يستشير شريكهُ ، فإن كنتم لا تقبلون أن تكون عبيدكم شُركاء معكم في الملْك فكيفَ تجعلون شُركاء لله من عبيدهِ ومخلوقاتهِ (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ ) أي نبيّنُها على التفصيل (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) فيُميّزون بين الحقّ والباطل .

29 - (بَلِ اتَّبَعَ الّذينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم ) في الشِرك (بِغَيْرِ عِلْمٍ ) من كتاب سماوي ولا تدبّر عقلي (فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ) أي لا هاديَ لمن أضلّهُ الله بسبب ظُلمهِ للناس ولهُ عذاب النار في الآخرة (وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ ) ينصرونهم ويدفعون العذاب عنهم .

30 - ولما سار رسول الله بجيشه الجرّار يوم فتح مكة نزلت عليه هذه الآية (فأَقِمْ وَجْهَكَ) أي ليكن قصدك في هذا السفر وأنت قاصدٌ مكة ( لِلدِّينِ حَنِيفًا ) يعني أن تسير على دين إبراهيم الحنيف وشريعته ، وهي (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) أي شريعة إبراهيم التي سيّر الله أتباع إبراهيم عليها ، وهم المسلمون ، وشريعته شريعة التوحيد (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) أي لاتبدّلوا خلق الله من الغاية التي خلقهم لأجلها وهي العبادة ، ذلك قوله تعالى في سورة الذاريات {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ، (ذَ‌ٰلِكَ الدِّينُ) هو دين إبراهيم (الْقَيِّمُ ) على أتباعه وأولاده كالقيّم على الأيتام (وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) حقيقته فيتّبعون ديناً غيره .

31 - (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ) أي راجعين الى الله بالتوبة ( وَاتَّقُوهُ) ولاتخالفوا أوامره ( وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) .

32 - (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ) بعد التوحيد ( وَكَانُوا شِيَعًا) أي أحزاب ومذاهب عديدة ، وهم اليهود تفرّقوا في الدين بعد موت سليمان فعبدوا البعل وبعضهم عبدوا عشتاروت وبعضهم عبدوا الشعرى اليمانية ، وبعضهم عبدوا العجلين الذهبيّين اللذيّنِ صنعهما لهم يربعام بن ناباط (كُلُّ حِزْبٍ) منهم (بِمَا لَدَيْهِمْ) من أصنام باطلة (فَرِحُونَ) بها .

والمعنى : لا تكونوا مثلهم أيها المسلمون في المستقبل فتغيرون دينكم وتعبدون سادتكم ومشايخكم وقبور أئمتكم فتنذرون لهم النذور وتشيّدون لهم القبور وتستعينون بهم عند قيامكم وقعودكم وتسألون منهم حوائجكم وتقدسون قبورهم وتقربون لهم القرابين وتبخرون البخور وتوقدون الشموع وتقيمون لأجلهم الولائم وتنصبون عليهم المآتم وتضربون على الصدور وتخمشون الوجوه وتشقّون عليهم الجيوب وتفجّون الرؤوس فتسيل الدماء علاوةً على الدموع فيغضب عليكم ربكم ويسلّط عليكم عدوّكم ومن لا يرحمكم فتدعون لكشف الضرّ عنكم فلا يستجيب لكم ولا يسمع لدعائكم حتى تذوقوا عذاب الذل والاستعباد جزاءً لأفعالكم .

33 - (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ) يعني شدة كمرض أو فقر أو بلية ( دَعَوْا رَبَّهُم) لكشف الضر عنهم ( مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ) أي راجعين اليه بالتوبة والدعاء منه (ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً) بأن يشفيهم من المرض أو يغنيهم من الفقر وينجيهم من الشدة ( إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) يعني يعودون للإشراك .

34 - (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ) من النِّعم ، يعني غايتهم من الإشراك كفران نعمتنا ليجعلوها من شركائهم فيقولون جاءتنا هذه النِّعم ببركة شركائنا وبيُمنها . ثمّ هدّدهم سبحانه بالعذاب إن لم يتركوا الإشراك فقال تعالى (فَتَمَتَّعُوا) بشركائكم وبدنياكم ، أي استمتِعوا برؤيتهم (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) عاقبة إشراككم حين تموتون وتنتقلون إلى عالم النفوس .

35 - (أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا ) أي أم أنزلنا عليهم كتاباً من السماء على رجلٍ منهم يدعوهم إلى الإشراك فأشركوا (فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ) يعني فكان ذلك الرجل صاحب الكتاب يأمرهم بالإشراك بما جاء في ذلك الكتاب ؟ كلا لم ننزل عليهم كتاباً بذلك ولم نأمرهم بتقديس البشر ولا الملائكة ولا عبادة الحجر . فالسلطان هو الكتاب ومن ذلك قوله تعالى في سورة الصافات {فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} ، ففسّر السلطان بالكتاب .

36 - (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً ) أي نِعمةً من عافيةٍ بعد مرض أو سَعة رزقٍ بعد فقر أو أمن بعد خوف أو خِصب بعد جدب (فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) من الظُلم والفساد ، يعني إذا أصابتهم شِدّة (إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ) أي حينئذٍ ييأسون من رحمة الله .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم