كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الرّوم من الآية( 32) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

32 - (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ) بعد التوحيد ( وَكَانُوا شِيَعًا) أي أحزاب ومذاهب عديدة ، وهم اليهود تفرّقوا في الدين بعد موت سليمان فعبدوا البعل وبعضهم عبدوا عشتاروت وبعضهم عبدوا الشعرى اليمانية ، وبعضهم عبدوا العجلين الذهبيّين اللذيّنِ صنعهما لهم يربعام بن ناباط (كُلُّ حِزْبٍ) منهم (بِمَا لَدَيْهِمْ) من أصنام باطلة (فَرِحُونَ) بها .

والمعنى : لا تكونوا مثلهم أيها المسلمون في المستقبل فتغيرون دينكم وتعبدون سادتكم ومشايخكم وقبور أئمتكم فتنذرون لهم النذور وتشيّدون لهم القبور وتستعينون بهم عند قيامكم وقعودكم وتسألون منهم حوائجكم وتقدسون قبورهم وتقربون لهم القرابين وتبخرون البخور وتوقدون الشموع وتقيمون لأجلهم الولائم وتنصبون عليهم المآتم وتضربون على الصدور وتخمشون الوجوه وتشقّون عليهم الجيوب وتفجّون الرؤوس فتسيل الدماء علاوةً على الدموع فيغضب عليكم ربكم ويسلّط عليكم عدوّكم ومن لا يرحمكم فتدعون لكشف الضرّ عنكم فلا يستجيب لكم ولا يسمع لدعائكم حتى تذوقوا عذاب الذل والاستعباد جزاءً لأفعالكم .

33 - (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ) يعني شدة كمرض أو فقر أو بلية ( دَعَوْا رَبَّهُم) لكشف الضر عنهم ( مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ) أي راجعين اليه بالتوبة والدعاء منه (ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً) بأن يشفيهم من المرض أو يغنيهم من الفقر وينجيهم من الشدة ( إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) يعني يعودون للإشراك .

34 - (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ) من النِّعم ، يعني غايتهم من الإشراك كفران نعمتنا ليجعلوها من شركائهم فيقولون جاءتنا هذه النِّعم ببركة شركائنا وبيُمنها . ثمّ هدّدهم سبحانه بالعذاب إن لم يتركوا الإشراك فقال تعالى (فَتَمَتَّعُوا) بشركائكم وبدنياكم ، أي استمتِعوا برؤيتهم (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) عاقبة إشراككم حين تموتون وتنتقلون إلى عالم النفوس .

35 - (أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا ) أي أم أنزلنا عليهم كتاباً من السماء على رجلٍ منهم يدعوهم إلى الإشراك فأشركوا (فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ) يعني فكان ذلك الرجل صاحب الكتاب يأمرهم بالإشراك بما جاء في ذلك الكتاب ؟ كلا لم ننزل عليهم كتاباً بذلك ولم نأمرهم بتقديس البشر ولا الملائكة ولا عبادة الحجر . فالسلطان هو الكتاب ومن ذلك قوله تعالى في سورة الصافات {فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} ، ففسّر السلطان بالكتاب .

36 - (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً ) أي نِعمةً من عافيةٍ بعد مرض أو سَعة رزقٍ بعد فقر أو أمن بعد خوف أو خِصب بعد جدب (فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) من الظُلم والفساد ، يعني إذا أصابتهم شِدّة (إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ) أي حينئذٍ ييأسون من رحمة الله .

37 - (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ ) من عبادهِ (وَيَقْدِرُ) أي ويضيّقُ الرزق على من يشاء ليختبرهم بذلك هل يشكرون أم يكفرون (إِنَّ فِي ذَلِكَ ) البسط في الرزق والتضييق (لَآيَاتٍ) على قدرة الله (لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) بها .

38 - (فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ) سبق تفسيرها في سورة الإسراء عند قوله تعالى {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ } ، (ذَلِكَ) العطاء للفقراء والمساكين (خَيْرٌ) لك عند الله من إعطائهِ للأغنياء ، بل أعطِ (لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ ) يعني للّذينَ يريدون أن يسكنوا في الجنان الروحانيّة الّتي هيَ في جِهة الله الواقعة تحت عرشهِ فيكونوا بجوارهِ (وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) في الآخرة .

39 - (وَمَا آتَيْتُم ) أيّها الناس لأحدٍ (مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ ) أي لينمو مالُكم ويزداد بالمعاملة المحرّمة بأن تأخذوا منهُ أكثر ممّا أقرضتموهُ (فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ ) يعني فلا ينمو عند الله ولا تؤجَرون عليهِ بل تُعاقَبون عليهِ (وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ ) للفُقراء والمحتاجين (تُرِيدُونَ) بذلك (وَجْهَ اللَّهِ ) أي تريدون الجنّة الّتي هي في جِهة الله (فَأُوْلَئِكَ) المعطُون للزكاة (هُمُ الْمُضْعِفُونَ ) أي يُضاعَف لهم الأجر والثواب .

40 - (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) ليلاً (ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) نهاراً . "فالموت" هنا يريد به النوم و"الحياة" اليقظة من النوم . والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة الأنعام : {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى} . فالحياة التي ذكرها سبحانه في هذه الآية أراد بها الحياة المادّية .

وقوله (هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَ‌ٰلِكُم مِّن شَيْءٍ) يعني هل تتمكّن أصنامكم وأوثانكم ومن عبدتموهم من دون الله أن تخلق وترزق وتحيي وتميت ، فإذا علمتم أنها غير قادرة على شيء من ذلك فكيف تعبدونها وهي لاتضر ولاتنفع ؟ (سُبْحَانَهُ) أي تنزيهاً له (وَتَعَالَىٰ ) أي وتعاظم (عَمَّا يُشْرِكُونَ) .

41 - (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) من الظلم والكفر والنفاق .

فسدَ البرُّ بالحشرات الضارة التي تفتك بالأشجار والثمار والمحصولات الزراعية ، وكذلك الحشرات التي تنقل العدوى من المريض الى السليم ، وهي الذباب والبعوض والبرغوث والقمل والقراد والفسفس وغيرها ، ثم الحيوانات الضارة التي تبيد المحصولات الزراعية وتتلف الأموال وهي الفئران والثعالب والأرضة وغيرها ، ثم الحيوانات السامة وهي الأفاعي والعقارب والزنابير وغيرها ، ثم فساد الميكروبات التي تسبب الأمراض وتعمي العيون وتشوّه الوجوه وتميت الأحياء .
أما فساد البحر فهي الميكروبات التي تنتشر في مياه الأنهار والمستنقعات فتسبب الأمراض ومن تلك الأمراض البلهارزيا والدزنتري والكوليرا وغير ذلك . ثم الفيضانات التي تسبب أضراراً كثيرة بالأموال والمزارع والنفوس .
فكلمة "بر" تعم اليابسة كلّها ، وكلمة "بحر" تعم المياه كلّها الأنهار والبحار والبحيرات والمستنقعات وغيرها . فهذا الفساد الذي ظهر في البر والبحر كله بسبب كفر الناس ونفاقهم وظلمهم (لِيُذِيقَهُم ) عقاب (بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ) من أعمالٍ سيئة (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) عن غيّهم وكفرهم ويتوبون الى الله من خطاياهم .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم