كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة لقمان من الآية( 8) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

8 - (إِنَّ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ ) في الآخرة (جَنَّاتُ النَّعِيمِ ) ،

9 - (خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ) لا خُلفَ فيهِ (وَهُوَ الْعَزِيزُ ) في مُلكهِ (الْحَكِيمُ) في أفعالهِ .

10 - (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ ) الغازية ورفعها ( بِغَيْرِ عَمَدٍ ) أي بغير أعمدة إذ جعلها خفيفة الوزن فارتفعت فوق الأرض ( تَرَوْنَهَا) في المستقبل أي تعلمون بوجودها ، وهي الزرقة التي نراها في الفضاء هي تكاثف الغازات بعضها فوق بعض ، فما كان منها خفيفاً ارتفع إلى الأعلى وما كان أثقل انخفض تحته فصارت سبع طبقات غازيّة ، وهي مسكن الجن ( وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ) وهي الجبال رست على الأرض ( أَن تَمِيدَ بِكُمْ ) يعني لئلا تتمايل بكم الأرض ولكي تسير في فلكها بانتظام وتدور حول محورها بانحراف (وَبَثَّ فِيهَا) أي ونشر في الأرض ( مِن كُلِّ دَابَّةٍ) تدبّ عليها ، أي من كلّ حيوان يمشي عليها (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ) وهو المطر (فَأَنبَتْنَا فِيهَا) من ألأشجار والأثمار (مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ) أي حسن المنظر لذيذ الطعم .

11 - (هَـٰذَا) إشارة إلى ما سبق ذكره من السماوات والأرض والجبال والأمطار والأشجار والأثمار ( خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي) أيها المشركون (مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ) تدعون (مِن دُونِهِ) يعني آلهتهم التي كانوا يعبدونها ( بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ) عن الحق ( مُّبِينٍ) أي بيّن لكل عاقل مفكّر.

12 - (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) جزاءً لتقواه وبرّه ، أي أعطيناه العلم والموعظة . وهومن بني اسرائيل من سبط نفتالي مسكنه فلسطين في الجليل في زمن رحبعام بن سليمان واسمه طوبيّا ، وإنما سمّاه الله تعالى لقمان لأنّه كان يطعم الفقراء والمساكين فيضع اللقمة في أفواههم من طيبة نفسه وحسن أخلاقه ، وزوجته إسمها حنّة فولدت له إبناً سمّاه باسمه أيضاَ ، وكان رجلا تقياً بارّاً يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويأمر قومه بطاعة الله . وقصته مذكورة في مجموعة التوراة في سفر طوبيّا باسمه بالتفصيل . وقولهُ تعالى (أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ) يعني أوحينا إليه أن اشكر لله على هدايته لك وإعطائك الحكمة والولد الصالح (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ) يعني ثواب شكره يعود عليه ويزداد نعمة من الله . والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة إبراهيم {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} يعني أزيدكم نعمة على نعمة .

(وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ) عن شكر الشاكرين (حَمِيدٌ ) أي مستحقٌّ للحمد على نعمائه .

13 - (وَإِذْ) يعني واذكُرْ لهم يا محمّد إذْ (قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )

14 - (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ ) لُقمان وغيره (بِوَالِدَيْهِ) إحساناً (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ ) أي جُهداً على جُهدٍ ، ومن ذلك قول الحُطيئة : لَعَمْرِي لَنِعْمَ الْمَرْءُ واهِنُ القُوى ولا هُوَ لِلْمَوْلَى عَلَى الدَّهْرِ خاذِلُ وقال حسّان : لا يَرْفَعُ الرَّحْمانُ مَصْرُوعَهُمْ ولا يُوهِّنُ قُوَّةَ الصَّارِعِ فالأوّل وهن الحمل والثاني وهن الولادة والثالث وهن الرضاعة ، فكلّها أتعاب ومشقّات (وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ) أي فطامهُ عن الرضاعة في انقضاء عامَين (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ) فشكر الله بالحمد والطاعة والإنفاق في سبيلهِ ، وشكر الوالدين بالبِرّ والصِلة والانقياد لهما بالطاعة (إِلَيَّ الْمَصِيرُ ) أي إليّ مرجعكم بعد الموت فاُجازيكم على حسب أعمالكم .

15 - (وَإِن جَاهَدَاكَ ) أيّها الإنسان (عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ ) أي بصِحّتهِ (عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ) في الإشراك (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ) أي أحسِنْ إليهما وارفُقْ بهما في الاُمور الدنيويّة (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ) أي اسلكْ طريقة المطيعين العابدين (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ) بعد الموت (فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) في دار الدنيا .

16 - (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا) أي الحسنة ،

إشارة الى قوله تعالى في أوّل السورة {هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ} ،
(إِن تَكُ) في الصغر (مِثْقَالَ حَبَّةٍ) أي ثقل حبة (مِّنْ خَرْدَلٍ85 فَتَكُن ) الحسنة (فِي صَخْرَةٍ) ترفعها عن طريق المارّة (أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ) تنظر إلى النجوم ليلاً فتعرف الطريق وتهدي به المسافرين الضالّين عن الطريق ، والدليل على هذا قوله تعالى في سورة النحل {وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} ، أو ترشد سائلاً اذا سألك عن وقت السحور فتنظر إلى السماء فتعرف الوقت وتخبره بالوقت لكي يتسحّر أو ليصلّي صلاة الفجر ، (أَوْ فِي الْأَرْضِ) تهدي الضالّين عن الطريق أو تطعم أحداً من الجائعين أو تكسو أحداً من العرايا أو غير ذلك من الحسنات (يَأْتِ بِهَا اللَّهُ) مكتوبة في صحائف أعمالك ويجازيك عليها (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ) بالمحسنين (خَبِيرٌ) بالمنفقين على اليتامى والمساكين . وقد سبق تفسير مثل هذه الآية في سورة الأنبياء في آية 47.

17 - (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ إِنَّ) الذي وعظتك به ( ذَ‌ٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) أي هذه الصفات الحميدة من صفات الأنبياء أولي العزم ومن صفات الملائكة وعزمهم عليها وبهذه الصفات والأعمال وصلوا إلى هذه المنزلة عند الله .

18 - (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) أي لاتُمِلْ برقبتك تذلّلاً للناس لتسأل شيئاً ليعطوك بل سلْ حاجتك من الله . وهذا مثل يُضرَب في الذلّ ، ومن ذلك قول الشاعر:

عِشْ عزيزاً أو مُتْ حميداً بخيرٍ ... لاتضعْ للسؤالِ والذلِّ خدّا
كمْ كريمٍ أضاعَهُ الدهرُ حتّى .... أكلَ الفقرُ منهُ لحماً وجِلدا
كلّما زادَهُ الزمانُ إتّضاعاً .......... زادَ في نفسِهِ عُلوّاً ومَجدا
فالأصعر هو الذي يميل برقبته اما تذللاً وإما لمرضٍ اصابه، والشاهد على ذلك قول حسان بن ثابت الأنصاري :
تَصُدُّ إذا ما وَاجهتْني خُدودُهُم ..... لدَى محفلٍ عنّي كأنّهمُ صُعْرُ
مفرد الصُعر أصعر ، وهو الذي يميل برقبته على الدوام لمرض أصابه . يقول الشاعر :
إذا واجهوني في محفلٍ أمالوا برؤوسهم عني لشّدة بغضهم وحقدهم عليّ كأنهم صُعرٌ .
يعني كأنّ في رقابهم مرض يجعلها مائلة . وقال حسّان أيضاً :
وَإنّي لَسَهلٌ لِلصَدِيقِ وإنّني ..... لأعدِلُ رأسَ الأصعَرِ المتمائِلِ
وفي هذا البيت ضرب الشاعر مثلاً بمن يميل برأسه عن الحق ولايرضى به . قال اللهُ تعالى في سورة المنافقون {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ} أي أمالوا رؤوسهم عنك . وقال الفرزدق يمدح عمرو الأسيدي :
وبكرٌ وعبدُ القيسِ وابنةُ وائلٍ ..... أقرّتْ لهُ بِالفضلِ صُعراً خدودُها
وقوله تعالى ( وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا) أي فرحاً فخوراً مشية المتكبر . والمعنى لا تتذلل في السؤال اذا سألت ولا تفتخر في العطاء اذا أعطيت (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ) أي خدّاع والشاهد على ذلك قول امرئ القيس :
ألا يحبسُ الشيخُ الغيورُ بناتهُ ..... مخافةَ جنبيّ الشمائلِ مختالِ
(فَخُورٍ) أي يفتخر على الناس بما أعطى من المال .

------------------------------------

85 :الخردل حبٌ صغير جداً أسود اللون مقرًح ، وأوراقه كبيرة تشبه أوراق الفجل وتحتوي أوراقه على فيتامين (سي) تستعمل الأوراق في الملح كمخلّل وتؤكل ، طعمها حاد مثل الرشّاد ، وهو نوعان الخردل الأبيض والخردل الأسود .

الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم