كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة السجدة من الآية( 16) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

16 - (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ) "المضجع" هو الفراش الّذي ينام عليه الإنسان ، وجمعهُ مضاجع ، وهذا مثَل يُضرَب لمن كان قلِقاً يتقلّب على فراشهِ تارةً على يمينهِ وتارة على شمالهِ لأمرٍ يُريد قضاءهُ فلا يرتاح حتّى يقضيهِ ، فكذلك الّذينَ وصفهم الله تعالى يتقلّبون على فراشهم قلِقين ينتظرون وقت الصلاة ليصلّوها .
ومن ذلك قول لبيد بن ربيعة يصف جوادهُ : تَجَافَيتُ عَنْهُ واتَّقاني عِنَانُهُ بشدٍّ منَ التّقريبِ عَجْلانَ مُلهَبِ
والمعنى : تشغلهم صلاة اللّيل عن النوم لأنّهم يُفضّلون العبادة على النوم (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا ) من عِقابهِ (وَطَمَعًا) في رحمتهِ (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) على الفقراء والمحتاجين .

17 - (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم ) في الآخرةِ (مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) أي ما تقرّ بهِ أعينهم من الفرح والبهجة ، وهذا مثَل يُضرب عند العرب في الأفراح والمسرّات فيقولون "قرّت عيناك بنجاح ولدك" (جَزَاءً) لهم (بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) من أعمال صالحة .

18 - (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا ) بالله ورسوله (كَمَن كَانَ فَاسِقًا ) أي خارجاً عن طاعة الله (لَّا يَسْتَوُونَ ) عند الله ، أي ليسوا سواءً . ثمّ بيّنَ سُبحانهُ ما لكلّ من الفريقين من الجزاء في الآخرة فقال تعالى :

19 - (أَمَّا الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا ) ينزلون فيها ويأوونَ إليها في عالَم البرزخ (بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) من أعمال صالحة .

20 - (وَأَمَّا الّذينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا ) لأنّهم مُنقادون إلى جاذبيّتها فلا يمكنهم أن يفلتوا منها (وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ ) في الدنيا .

21 - (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ ) أي غير العذاب الأكبر ، فالأدنى يعني الأقرب وهو عذاب الدنيا ، والعذاب الأكبر في الآخرة (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) عن غيّهم وينقادون لرسولهم .

22 - (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ) أي لا أحدَ أظلمُ ممّن وعظوهُ بالقرآن والأدلّة العقليّة ودعَوهُ إلى الإيمان بالله وبرسولهِ (ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا ) فلم يستمع لها ولم يُفكّر فيها (إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ ) في الآخرة .

23 - لَمّا نزل الوحي على النبي (ع) في بادي الأمر وأخبر قومه بذلك كذبوه وأستهزؤوا به وقالوا إنَّ الذي جاء بالوحي هو من الجن وليس من الملائكة . ولم يصدّقه أحدٌ الّا زوجته وابن عمه . فحينئذٍ اعتراه شكٌّ في نفسه وتصاغر فقال : لو كنت نبيّاً حقاً لصدّقتني قريش كلّها وصدّقني غيرهم أيضاً . فنزلت عليه آيات كثيرة تثبت قلبه وتقوي عزيمته ومن جملتها هذه الآية :

(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) من قبلك يا محمد كما ألقينا عليك القرآن مع جبرائيل (فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ) أصلها من إلقائه . والمعنى فلاتكن في شك من إلقاء الوحي عليك وإنزال القرآن على قلبك .
ومما يؤيد هذا قوله تعالى في سورة النمل {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} ، وقال تعالى في سورة المزمّل {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} ، وقوله تعالى في سورة القصص {وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ}.
ونظير هذه الآية في المعنى في سورة البقرة قوله تعالى: {الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ  فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} ، والحق هو القرآن .
وقوله تعالى ( وَجَعَلْنَاهُ) أي الكتاب ، يعني التوراة (هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ ) يهتدون بأحكامه إلى طريق الحق

24 - (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً) أي أنبياء (يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) أي يرشدون قومهم الى أحكام التوراة بأمرنا (لَمَّا صَبَرُوا) على أذى قومهم (وَكَانُوا) الأئمة ، يعني أنبياء بني إسرائيل (بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) .

25 - (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ) أي بين المشركين من بني إسرائيل لأنهم لم يسمعوا لأنبيائهم ولم يعملوا بقول ربّهم (يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) من تغيير دينهم وإشراكهم بعبادة ربهم .

26 - ثمّ حذّر الله أهل مكة من التقليد للماضين والأجداد فقال تعالى (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ) القرآن ، يعني ألم يبيّن لمشركي العرب وغيرهم؟ والواو من قوله (أولم) للتحذير (كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ ) الماضية بسبب كفرهم وإشراكهم وتكذيبهم لرسلنا (يَمْشُونَ) أهل مكة (فِي مَسَاكِنِهِمْ ) يعني يمشون في مساكن القرون الماضية وينظرون إلى آثارهم وقت أسفارهم (إِنَّ فِي ذَ‌ٰلِكَ ) الإهلاك والتدمير (لَآيَاتٍ) على قدرتنا (أَفَلَا يَسْمَعُونَ) بأخبارهم فيتّعظوا ولا يكونوا مثلهم ؟

27 - (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ ) في السحب ؟ ومن ذلك قوله تعالى في سورة الأعراف : {حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ} ، وقال تعالى في سورة فاطر {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ}

وقوله (إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ) يعني إلى اليابسة التي لا نبت فيها (فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ) وهو الكلاء والبرسيم والقتّ (وَأَنفُسُهُمْ) يأكلون منه ، وهو الحبّ كالحنطة والشعير والرز والذرة وغير ذلك (أَفَلَا يُبْصِرُونَ) خضرة النبات حين ينمو . والفاء من قوله تعالى (افلا) للتفكير ، والواو من قوله ( أولم) للتحذير .

28 - (وَيَقُولُونَ) أي المشركون من العرب (مَتَىٰ هَـٰذَا الْفَتْحُ ) أي متى هذا النصر الذي تعدوننا به من فتح البلاد وإعلاء كلمة الإسلام وإظهاره على جميع الأديان (إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) في قولكم ؟

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم