كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة السجدة من الآية( 8) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

8 - (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ ) أي من سُلالة الجنس الأسود والجنس الأصفر ، لأنّ أولاد آدم تزوّج بعضهم من بنات السودان وبعضهم تزوّج من بنات الصين فصار اختلاط بين نسل آدم وبين الجنس الأسود والأصفر ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة الفرقان {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا } ، فالنسَب هم أولاد آدم لأنّ نسبهم يرجع إليهِ ، والصهر ما تناسل من أولاد آدم وبنات السودان أو بنات الصينيّين ، فالسُلالة هم الأحفاد الّذينَ تناسلوا من أجداد بالتسلسل جيلاً بعد جيل ،
ومن ذلك قول الشاعر يُخاطب امرأة أصيلة تزوّجها رجُل غير أصيل : وهَلْ أَنْتِ إلّا مُهْرَةٌ عَرَبِيَّةٌ سَلِيلَةُ أَفْراسٍ تَحَلَّلَها بَغْلُ فقول الشاعر " سَلِيلَةُ أَفْراسٍ" يعني من نسل أفراس أصيلات عربيّات ،
وقوله (مِّن مَّاء مَّهِينٍ ) يعني النطفة وهي المني .

9 - (ثُمَّ سَوَّاهُ ) يعني سوّى آدم من طين ، وإنّما قال تعالى (ثُمَّ سَوَّاهُ ) بعد أن قال (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ ) لأنّ الجنس الأسود والأصفر كانا موجودَين قبل أن يخلق الله آدم ، وقوله (وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ) يعني من جبرائيل كان النفخ فهو الروح الأمين (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ) يعني قليلٌ منكم يشكرون نِعم الله عليهم . وقد سبق شرح كلمة "السُلالة" في سورة المؤمنون أيضاً .

10 - (وَقَالُوا) أي قال منكرو البعث ( أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ) يعني إذا متنا وتمزقت أجسامنا وتاهت في الأرض ، أي انتثرت أجزاؤها في الأرض (أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) يعني هل تُخلَق أجسامنا من جديد وتعود للحياة ثانية بعد أن تمزقت وتناثرت أجزاؤها في الأرض؟ كلا إنّ ذلك مستحيل . فقال الله تعالى (بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ) أي بل هم للبعث والحساب منكرون لأنهم أنكروا وجود النفوس بعد الموت ، والإنسان الحقيقي هو النفس الروحانيّة وليس الجسم الذي يتمزّق بعد الموت ويكون تراباً .

11 - (قُلْ) يا محمد في جواب سؤالهم وإنكارهم للبعث (يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ) يعني وقت آجالكم يقبضكم ملك الموت من أجسامكم ،أي يقبض نفوسكم ، وإنما قال تعالى يتوفاكم ولم يقل يتوفى نفوسكم لأنّ الإنسان الحقيقي هو النفس الروحانيّة وما الجسم الاّ قالب تكوّنت فيه النفس فهو يتفسخ بعد خروج النفس منه ويكون تراباً .

(ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ) بعد انفصالكم من أجسامكم بالموت . والمعنى ليس الأمر كما تظنون من أننا نعيد الأجسام الميتة الى الحياة ثانية حيث لا فائدة من إحيائها بل النفوس باقية فإذا انفصلت عن الأجسام أخذتها الملائكة إلى عالم الأثير عالم النفوس فتكون هناك في قبضتنا وتحت تصرفنا فنحاسبها على أفعالها ونجازيها على أعمالها .

12 - (وَلَوْ تَرَىٰ ) يا محمد (إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ) في عالم البرزخ عالم النفوس تذلّلاً وخجلاً يقولون(رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا) إلى الدنيا (نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ) الآن بالجزاء والعقاب .

13 - ثمّ قال الله تعالى رداً على قولهم (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي ) أي لقد قلتُ وقولي حقٌ بأن لارجعة الى الدنيا بعد الموت ، والآن (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ ) من الظالمين (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) .

14 - ثمّ يقال لهم (فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا ) أي بما فعلتم فِعلَ من نسيَ لقاء هذا اليوم فتركتم ما أمركم الله بهِ وعصيتموهُ (إِنَّا نَسِينَاكُمْ ) من رحمتنا كما نسيتم لقاء يومكم هذا (وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ ) أي الدائم (بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) من الظلم مع الضعفاء والكفر والمعاصي .

15 - ثمّ أخبرَ سُبحانهُ عن أحوال المؤمنين وأعمالهم فقال (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الّذينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا ) أي وَعَظُوهم بها (خَرُّوا سُجَّدًا ) على وجوههم شكراً للهِ على هدايتهم للإيمان وما أنعمَ عليه بالإسلام (وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ) عن عبادتهِ ولا يستنكفون .

16 - (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ) "المضجع" هو الفراش الّذي ينام عليه الإنسان ، وجمعهُ مضاجع ، وهذا مثَل يُضرَب لمن كان قلِقاً يتقلّب على فراشهِ تارةً على يمينهِ وتارة على شمالهِ لأمرٍ يُريد قضاءهُ فلا يرتاح حتّى يقضيهِ ، فكذلك الّذينَ وصفهم الله تعالى يتقلّبون على فراشهم قلِقين ينتظرون وقت الصلاة ليصلّوها .
ومن ذلك قول لبيد بن ربيعة يصف جوادهُ : تَجَافَيتُ عَنْهُ واتَّقاني عِنَانُهُ بشدٍّ منَ التّقريبِ عَجْلانَ مُلهَبِ
والمعنى : تشغلهم صلاة اللّيل عن النوم لأنّهم يُفضّلون العبادة على النوم (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا ) من عِقابهِ (وَطَمَعًا) في رحمتهِ (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) على الفقراء والمحتاجين .

17 - (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم ) في الآخرةِ (مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) أي ما تقرّ بهِ أعينهم من الفرح والبهجة ، وهذا مثَل يُضرب عند العرب في الأفراح والمسرّات فيقولون "قرّت عيناك بنجاح ولدك" (جَزَاءً) لهم (بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) من أعمال صالحة .

18 - (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا ) بالله ورسوله (كَمَن كَانَ فَاسِقًا ) أي خارجاً عن طاعة الله (لَّا يَسْتَوُونَ ) عند الله ، أي ليسوا سواءً . ثمّ بيّنَ سُبحانهُ ما لكلّ من الفريقين من الجزاء في الآخرة فقال تعالى :

19 - (أَمَّا الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا ) ينزلون فيها ويأوونَ إليها في عالَم البرزخ (بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) من أعمال صالحة .

20 - (وَأَمَّا الّذينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا ) لأنّهم مُنقادون إلى جاذبيّتها فلا يمكنهم أن يفلتوا منها (وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ ) في الدنيا .

------------------------------------
الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم