كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأحزاب من الآية( 32) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

32 - (يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ ) أي كجماعةٍ واحدة (مِّنَ) جماعات (النِّسَاء) في الطاعة والتقوى (إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ) بل يجب أن يزداد تقواكنّ على سائر النساء لأنّ المعلّم والمرشِد هو زوجكنّ ونزول الوحي في بيوتكنّ (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ ) للرجال ، أي لا تُخاطبنَ الرجال بكلام رقيق ليّن (فَيَطْمَعَ) فيكنّ (الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ) نفسي ، أي في قلبهِ شكّ في الدين (وَقُلْنَ) لمن سألكنّ شيئاً من أحكام الدين (قَوْلًا مَّعْرُوفًا ) لا عنفَ فيهِ ولا خضوع .

33 - (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) أي اثبتنَ في منازلكنّ (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ) 2 أي لا تخرجنَ على عادة النساء اللّاتي كنّ في زمن الجاهليّة قبل الإسلام ولا تُظهرنَ زينتكنّ كما كانت تفعل المرأة في الماضي (وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ ) بهذه الوصايا والمواعظ (لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ ) أي الأمراض النفسانيّة والجسمانيّة (أَهْلَ الْبَيْتِ ) أي بيت النبوّة (وَيُطَهِّرَكُمْ) من الأدناس (تَطْهِيرًا) .

34 - (وَاذْكُرْنَ) أي وتذكّرنَ عند وسوسة النفس وميلها لزينةِ الدنيا (مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ) يعني من القرآن (وَالْحِكْمَةِ) أي الموعظة ، والمعنى : إذا اشتاقت واحدة منكنّ إلى ما في الدنيا من مال وزينة فتتذكّر آيات القرآن الّتي جاءت في ذمّ الدنيا ومدح الآخرة ، وكذلك تتذكّر المواعظ الّتي جاءت في ذلك لكي تهدأ نفسها وتزول رغبتها عن الدنيا وزينتها ولا تفتتن بها (إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا ) بعبادهِ إذْ أنزل عليهم القرآن ليهديهم إلى طريق الرشاد (خَبِيرًا) بأعمالهم وأفعالهم فيجازيهم عليها في الآخرة .

35 - (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ) أي المستسلمين لأمر الله والمستسلمات (وَالْمُؤْمِنِينَ) بالله ورُسُلهِ (وَالْمُؤْمِنَاتِ) . فالاستسلام أوّل درجة ، والإيمان ثاني درجة ، والدرجة الثالثة في الارتقاء هي الانقطاع إلى الله عن الناس بالطاعة والعبادة ، وذلك قوله تعالى (وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ ) أي المنقطِعين إلى الله والمنقطِعات (وَالصَّادِقِينَ) في القول والعهد (وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ ) في البأساء والضرّاء (وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ ) لله في صلاتهم (وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ ) على الفقراء والمحتاجين (وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ ) شهر رمضان (وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ ) عن الزِنا واللّواط (وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا ) عند قيامهم وقعودهم وحين اضطجاعهم (وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) في الآخرة .

36 - (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ) أي لا ينبغي لمؤمنٍ (وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) أي ليس لهم الاختيار من أمرهم إن شاؤوا عملوا بهِ وإن لم يشاؤوا تركوهُ ، بل يجب امتثال أمر الله والعمل بهِ دون توانٍ ولا تردّد (وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا ) .

37 - (وَإِذْ تَقُولُ ) يا محمّد لزيد بن حارثة (لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ) بالإسلام (وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ) بالعِتق ، فتقول لهُ لَمّا أرادَ طلاق زوجتهِ (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ) يعني أبقِها عندك ولا تُطلّقها (وَاتَّقِ اللَّهَ ) في طلاقها بدون ذنبٍ منها إليك (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ ) يا محمّد من حُبّك لها (مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ) أي مُظهرهُ إذ الله ألقَى حُبّها في قلبك (وَتَخْشَى النَّاسَ) أن يعيبوا عليك (وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا ) أي حاجةً وطلّقها وانقضت عِدّتها (زَوَّجْنَاكَهَا) . فالوطَر قضاء الرغبة والحاجة ،
ومن ذلك قول الشاعر : وَكَيْفَ ثَوَائِي بِالْمَدِينَةِ بَعْدَمَا قَضَى وَطَرًا مِنْهَا جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ
وقالت الخنساء تنعى أخاها : قَدْ كانَ خالِصَتِي مِنْ كُلِّ ذِي نَسَبٍ فَقَدْ أُصِيبَ فَما لِلْعَيْشِ أَوْطارُ
ومعناهُ نحنُ ألقينا حُبّها في قلبك وألقينا أمر طلاقها في قلب زيد لكي يُطلّقها زيد وتتزوّجها أنتَ ، وذلك لغايةٍ نقصدها بعد ذلك وهيَ (لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ) يعني لئلاّ بعدك يُحرّمون زواج المطلّقة لمن تبنّوهُ ، فحينئذٍ يقولون إنّ نبيّنا تزوّج مُطلّقة زيد فلماذا نحنُ لا نتزوّج مُطلّقات من تبنّيناهم (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ) يعني ما أرادهُ الله كائنٌ لا محالة . أقول إنّ الله تعالى يختبر أولياءهُ ويمتحنهم ليرى تقواهم وصبرهم عن المحرّمات ، فقد امتحنَ يوسف بزليخا امرأة العزيز فوجدهُ ذا صبرٍ وعزيمة على إمساك شهوتهِ . وامتحنَ داوُد بزوجة اُوريّا فوجدهُ غير صابر وليس لهُ عزيمة على ضبطِ نفسهِ . وامتحنَ محمّداً بزوجة زيد فوجدهُ صابراً ذا عزيمة على ضبط نفسه عن المحرّمات فلم يعمل شيئاً حين رآها سِوى أن قال {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } فأعطاهُ الله ما اشتهت نفسه بالحلال دون الحرام . وكلّهم اختبرهم الله تعالى بنساء مُتزوّجات ، وذلك لأنّ المتزوّجة لا سبيل إلى الحصول عليها إلاّ إذا طلّقها زوجها برضاً منهُ دون إكراه ، أمّا إذا كانت المرأة باكراً فيمكن للرجل أن يتزوّجها بأن يخطبها من أبيها ، ولكن إذا كانت متزوّجة فماذا يصنع إذا وقع حُبّها في قلبهِ هل يزني بها فيأثم أم يضبط نفسهُ عن المحرّمات ويصبر ، وهذا هو الامتحان الّذي امتحن الله فيهِ أنبياءهُ الثلاثة .

38 - ثمّ قال الله تعالى (مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ ) في الزواج (فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ) أي فيما كتبهُ الله لهُ وقدّرهُ من يوم ولادتهِ بأن يتزوّج تسعاً (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الّذينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ) يعني شريعة الله في أنبيائهِ الماضين بأن أباحَ لهم تعدّد الزوجات . فقد تزوّج داوُد سبعاً وكان لهُ من السراري اثنتين وتسعين سريّة . أمّا سُليمان فقد تزوّج نساءً كثيرة وكان له من السراري ثلاثمائة سريّة 3 . وتزوّج جدعون بن يؤاش نساءً كثيرة أيضاً وهو من رؤساء بني إسرائيل وقضاتهم . أمّا داوُد فقد طلّقَ ميكال بنت شاؤول من زوجها جبراً وتزوّجها ، لأنّها كانت خطيبتهُ من قبل زواجها وقد خان العهد أبوها مع داوُد فزوّجها لغيرهِ ، ولَمّا قُتِلَ شاؤول عادّ داوُد يُطالب بخطيبتهِ حتّى أخذها جبراً 4 وقوله (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا ) يعني وكان أمرُ الله في تزويج النبيّ بتسعٍ من النساء قدَراً مقدوراً ، يعني مُقدّراً ومكتوباً من يوم ولادتهِ . ثمّ أخذ سُبحانهُ في الثناء على الأنبياء والرُسُل فقال :

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم