كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأحزاب من الآية( 54) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

54 - (إِن تُبْدُوا شَيْئًا ) ممّا نُهيتم عنه (أَوْ تُخْفُوهُ) في أنفسكم (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ) فيعاقبكم عليهِ .

55 - ولَمّا نزلت آية الحجاب قال آباؤهنّ وإخوانهنّ يا رسول الله ونحن أيضاً نُكلّمهنّ من وراء حجاب ، فنزلت هذه الآية (لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء أَخَوَاتِهِنَّ ) يعني لا يحتجبنَ عنهم (وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ) من العبيد والإماء يجوز أن يُكلّموهنّ بدون حجاب (وَاتَّقِينَ اللَّهَ ) في التكلّم مع الأجانب بدون حجاب (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ) أي حاضراً يسمع ويرَى .

56 - ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ). الصلاة مشتقة من الإيصال والاتّصال ومنها صلة الرحم .
قال الله تعالى في سورة الرعد : {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَل}،
أي يصلون النبيّ بالوحي والخيرات والنصر على الكافرين وأخبار المشركين ومكايدهم ليأخذ الحذر منهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ) أي اتّصلوا به وتعلّموا أُمور دينكم منه وانقادوا لأمره . فكلمة "عليه" تكون بمعنى إليه .
ومن ذلك قوله تعالى في سورة الأنعام {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا } معناه وحشرنا إليهم . وقال تعالى في سورة الصافات في وصف أهل الجنة {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} يعني فأقبل بعضهم إلى بعض .
(وَسَلِّمُوا ) لحكمه (تَسْلِيمًا) فلا تعترضوا على حكمه وأوامره .
والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة النساء {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} والمعنى حتى ينقادوا لأمرك فلا يعترضوا عليه .
إنّ الله تعالى أمر المسلمين أن يتّصلوا بالنبيّ ويتعلّموا أمور دينهم منه ويسمعوا لقوله ويعملوا بأمره ، هذا في حياته ، أما اليوم فليس النبيّ موجوداً فينا لكي نتّصل به ، فيجب أن نقول اللّهم سلِّم على محمدٍ كما سلّمتَ على إبراهيم إنّكَ حميدٌ مجيد . فإن الله علّمنا أن نسلِّم على أنبيائه اذ بدأ هو بالسلام عليهم ، فقال تعالى في سورة الصافات {سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ} ، وقال {سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ} . يعني إلياس ، هو النبي إشعيا ، وقد سبق الكلام عنه في سورة الأنعام في آية 85 ، وقال تعالى {سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ } ، وقال {سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ} ، وقال في سورة هود {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ} وقال تعالى في سورة النمل {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىٰ} . فإذا ذُكِر عندَكَ أحدُ الأنبياء فقل عليه السلام ، ولامعنى لمن يقول عليه الصلاة .

57 - (إِنَّ الّذينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) أي يؤذونهما بالكلام اللاّذع ، يعني بالكفر بالإهانة بالسُخرية (لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا ) أي أبعدهم عن رحمتهِ (وَ) في (الْآخِرَةِ) أبعدهم عن جنّتهِ (وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا ) .

58 - (وَالّذينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا ) من الإثم ، يعني الّذينَ يتكلّمون بالكذِب أو بالفُحش أو بالسَبّ على المؤمنين بغيرِ ذنبٍ صادرٍ من المؤمنين عليهم (فَقَدِ احْتَمَلُوا ) أي فقد تحمّلوا (بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ) وهم المنافقون .

59 - (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ) مفردها جِلباب ، وهو الملحفة يغطي جسم المرأة كالعباءة كانت نساء اليهود يلتففن به ، وكذلك الإيرانيات يلتففن به يسمى عندهن"ﭼادر" ومن ذلك قول الخنساء تصف جواد أخيها :

يعدُو بهِ سابحٌ نهدٌ مراكِلُهُ ..... مجلبَبٌ بِسوادِ الَّليلِ جِلبابا
ومعناه يسدلنّ الجلباب على وجوههن ويلتففن به لئلا يُعرفنَ ، ويعني لئلا يعرف اليهود الساكنون في المدينة والمنافقون أنهنّ مسلمات فيتكلمون عليهنّ بكلام غير مناسب فيما بينهم ويغتابوهنّ ، وذلك معنى قوله تعالى ( ذَ‌ٰلِكَ أَدْنَىٰ ) أي أقرب الى الستر والصلاح وحسن العاقبة ( أَن يُعْرَفْنَ) يعني لئلا يُعرَفنَ (فَلَا يُؤْذَيْنَ) يعني إذا كانت المرأة ملتفة بجلبابها فلايعرفها أحد من اليهود ولا المنافقين فتسلم من أذيتهم ومن همزهم ولمزهم (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا) لمن سلف منهن في ترك الحجاب (رَّحِيمًا) بهنّ اذ أمرهن بالحجاب لئلا يؤذَينَ .

60 - ثمّ أخذ سبحانه في تهديد اليهود والمنافقين الذين يؤذون المؤمنين فقال تعالى (لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ ) عن نفاقهم (وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ) أي مرض نفسي يعني ينتهوا عن حقدهم وعداوتهم للمسلمين (وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ) أي الذين يخوّفون المسلمين بأخبار كاذبة يعلنونها بين الناس بأنّ المشركين انتصروا على المسلمين في جبهة القتال ، وما أشبه ذلك من أخبار وأقوال كاذبة . ومن ذلك قول ابن الفارض :

فشنّعَ قومٌ بِالوِصالِ وَلَم أصِلْ ..... وَأرجَفَ قومٌ بِالسُلوِّ وَلَم أسْلُ
وما صدقَ التشنيعُ عنّي لِشِقوَتي وقد كذبَتْ عني الأراجيفُ والنّقْلُ
والمعنى لئن لم ينتهوا عن أقوالهم وأفعالهم (لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ) أي لنعرفنّكَ بهم وبأسمائهم فتأمر المؤمنين بمقاطعتهم وترك مبايعتهم ومكالمتهم ، فحينئذٍ يندمون لما يصيبهم من العار وضيق العيش فيذهبون إلى بلدةٍ أخرى . وقد سبق شرح كلمة "الإغراء" في سورة المائدة عند قوله تعالى {فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء} .

61 - (مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا ) أي مطرودين أينما وُجِدُوا لسوء أخلاقهم وذميم أفعالهم وقبح كلامهم ولذلك (أُخِذُوا ) بالعذاب (وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا) يعني فلذلك أخذناهم بالعذاب وسلطّنا عليهم ملك بابل نبوخذ نصر فقتّلهم تقتيلاً وسبى الباقين إلى بابل يعذبهم بالأشغال الشاقة ، وكذلك الملِك آشور ملِك نينوى أخذهم أسرى إلى نينوى وعذّبهم بالأشغال الشاقة ، كما عذّبهم فرعون من قبل .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم