كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة سبأ من الآية( 12) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

12 - (وَلِسُلَيْمَانَ) سخّرنا (الرِّيحَ) لتسيير السفن في البحر (غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ) يعني ذهابها من فلسطين الى لبنان وهي مسافة شهر للسفن الشراعية ، فكانت تقطعها بيوم واحد بواسطة الرياح التي تسوقها ، وكذلك رجوعها من لبنان إلى فلسطين تقطعها بيوم واحد بسبب تلك الرياح (وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) كل منجم للمعادن يسمى عند العرب "عين" والقِطر هو النحاس ، والشاهد على ذلك قول شاعرهم :

فَأَلْقَى فِي مَرَاجِلَ مِنْ حَدِيدٍ ..... قُدُورَ الْقِطْرِ لَيْسَ مِنَ الْبَرَاةِ
أي قدور النحاس . فكان في نواحي فلسطين جبل وفيه منجم من النحاس وهو خليط مع التراب والأحجار على هيئة حبات ولم يكن سليمان يعلم به ، فصادف أن جاءت أمطار غزيرة فأنحدرت السيول من الجبال العالية على الجبل المنخفض الذي فيه منجم النحاس فانهدم طرف من الجبل الذي يطل على الطريق فسقطت منه حبات النحاس مع التراب ونزلت الى الطريق ، فلما طلعت الشمس ونشرت أشعتها عليها صارت تلمع حبّات النحاس فرآها بعض المارة وأخبروا سليمان بذلك ، فأرسل عمّالاً يستخرجون النحاس من ذلك الجبل ويصفُّونه من الأتربة والأحجار . فهذا معنى قوله تعالى (وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) يعني كشفنا له عن منجم النحاس بواسطة السيل ليستخرج منه ويستفيد به لصنع الأواني والقدور والجفان وغير ذلك (وَمِنَ الْجِنِّ) أي وسخّرنا له من الجن (مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ) يعني أباح الله لسليمان أن يسخّر الجن وهيأ له ذلك ، ولكن لم يرهم أحد من الناس إلا هو كان يراهم ويأمرهم بما يريد فيعملون له (وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا) يعني من يَمِلْ عن أمرنا ويمتنعْ عن العمل (نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ) أي من عذاب النار المستعرة . فالزيغ هو الميل عن الحق ، ومن ذلك قوله تعالى في سورة النجم { مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى } أي ما مال البصر . وقال تعالى في سورة ص حاكياً عن أهل النار قولهم { أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ } يعني أم مالت عنهم الأبصار ؟

13 - (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ) مفردها محراب ، كانوا ينحتونها من الحجر لبناء المسجد توضع فوق الأعمدة تصل بين عمودين ، ويسمى مفردها اليوم "طاق" (وَتَمَاثِيلَ ) في الحجر أي نقوش على هيئة أُسود وكروبيم ، وهي على هيئة ملائكة لها أجنحة ، وغير ذلك مما يستعمل لتزيين الجدران والأبنية (وَجِفَانٍ) مفردها جفنة ، وهي أواني نحاسية كبيرة الأحجام ، وتسمى اليوم عند الجيش قصعة (كَالْجَوَابِ) مفردها جابية ، وهي حوض مستطيل يوضع فيه ماء لسقي الأنعام والدواب ، ومن ذلك قول الخنساء في الجفان :

ألا إنّ يوْمَ ابنِ الشَّريدِ ورَهْطِهِ ..... أبادَ جِفاناً والقُدورَ الرّواكِدا
وقالت في الجوابي :
يَكفَأُها بِالطَعنِ فيها كَما ..... ثَلَّمَ باقي جَبوَةِ الجابِيَه
وقال الأعشى :
تَرُوحُ على آلِ المُحَلَّق جَفْنَةٌ ..... كجابيَة الشَّيْخِ العِراقيِّ تَفْهَقُ
وقال طرفة :
بجِفانٍ تَعْتَري ناديَنا ...... منْ سديفٍ حيَن هاجَ الصِّنَّبِرْ
كالجَوابي لا تَني مُتْرَعَةً .... لقِرَى الأضيافِ أو للمحتضِرْ
(وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ) على الأرض لسعتها وثقلها لا يتمكن من رفعها إلا ثمانية رجال . كانت تستعمل تلك القدور لطبخ الأطعمة للجيش (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ ) لبناء بيت المقدس (شُكْرًا) أي شاكرين بذلك ما أنعم الله به عليكم (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) يعني قليل منهم يشكرون .

14 - (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ) يعني فلما حكمنا على سليمان بالموت (مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ ) يعني ما أعلمهم بموته إلا الأرضة (تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ) أي تأكل عصاه فالمنسأة هي العصا الغليظة الطويلة التي يسوق الراعي بها الغنم ، ومن ذلك قول الشاعر :

إذَا دَبَبْتَ علَى المنـسَاة مِن هَـَرمٍ ..... فَقَدْ تَبَـاعَد عَنْكَ اللَّـهْوُ والغَزَلُ
وذلك أن سليمان صعد الى السطح في قصره وأوصى أن لايصعد اليه أحد فجلس على كرسي له واتكأ على عصاه وأخذ يفكر في أمور يقوم بها ، فجاء ملَك الموت وقبض نفسه من جسمه فبقي جسمه على كرسيّه أياما وهو ميت ولم يعلم أحد بموته وكان الوقت شتاء فجاءت دودة الأرضة وأكلت عصاه من وسطها فانكسرت وسقط سليمان من كرسيه على سطح قصره فحينئذ علموا بموته ، وذلك قوله تعالى ( فَلَمَّا خَرَّ) أي فلما سقط (تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ) أي تبيّن للناس أمر الجن (أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ) أي ما لبثوا في السجن معذّبين. لأنّ سليمان سجن قسماً منهم لامتناعهم عن العمل . والدليل على ذلك قوله تعالى فما سبق {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ } . وقال تعالى في سورة القمر {وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ } .

15 - ثُمّ ذكر سبحانه قصة قبيلة سبأ فقال تعالى (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ) وهم أولاد سبأ بين يعرب بن قحطان من قوم تُبع ملوك اليمن (فِي مَسْكَنِهِمْ) أي في بلدهم باليمن ، وتسمى المعارف ، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ساعات (آيَةٌ) أي علامة دالة على قدرة الله . ثم فسّر الآية فقال (جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ) أي عن يمين النهر وعن شماله . وكانت بساتين كثيرة ولكن لاتّصال بعضها بالبعض فكأنها جنتان وبينهما النهر جارياً وفيهما من أنواع الفواكه والأثمار ، فقلنا لهم على ألسن أنبيائنا (كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ) لمن شكر .

16 - (فَأَعْرَضُوا) عن الحق وعن إرشاد نبيّهم ولم يسمعوا لقوله (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ) أي السيل الشديد الكثير فهدم سدهم، ويُسمى سد مأرب وموقعه باليمن ، وأغرق بساتينهم وزرعهم . فالعرِم معناه الشديد المدمر ، ومن ذلك قول عمرو بن كلثوم :

وَأَنّا الْعَاصِمُونَ إِذَا أُطِعْنْا ..... وَأَنّا الْعارِمُونَ إِذَا عُصِينا
وقال جرير :
أَجِئتُم تَبَغَّونَ العُرامَ فَعِندَنا ..... عُرامٌ لِمَن يَبغي العَرامَةَ واسِعُ
وكان الماء يأتي أرض سبأ من أودية اليمن وكان هناك جبلان يجتمع ماء المطر والسيول بينهما وقد بنت حمير سداً بين الجبلين من الرخام88 فيسقون منه مزارعهم وبساتينهم عند الحاجة ، فلما كذّبوا رسولهم وتركوا أمر الله ، بعث الجرذان فحفرت في بناء السد مابين الأحجار وخلخلت السد فلما جاء السيل قوياً تهدم السد وفاضت المياه عليهم فأغرقت بيوتهم ومزارعهم وبساتينهم (وَبَدَّلْنَاهُم ) بعد ذلك (بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ) أُخريَين (ذَوَاتَيْ أُكُلٍ) أي ذواتي ثمر يؤكل (خَمْطٍ) الخمط كل ثمر حاد كالفلفل والقرنفل والكبابة الهندية وغير ذلك من التوابل . والشاهد على ذلك قول أبي ذؤيب يصف خمرة :
عُقارٌ كماء النِّيءِ ليست بِخَمْطَةٍ ..... ولا خَلَّةٍ يَكوي الشَّرُوبَ شِهابُها
يعني ليست حادة كالتوابل ولاحامضة كالخل . وقال خالد بن زهير الهذلي يصف خمرة أيضاً :
ولا تَسْبِقَنْ للناسِ منّي بخَمْطةٍ ..... مِنَ السُّمِّ مَذْرورٍ عليها ذُرُورُها
يعني بخمرة حادة كأنما ذرّوا عليها من السم لشدة حدتها . وقال
إِذا رأَوْا مِنْ مَلِكٍ تَخَمُّطا ..... أَو خُنْزُواناً ضَرَبُوهُ ما خَطا
يعني اذا رأوا من ملِك حدة مزاج وغضب ضربوه . وقال حسّان بن ثابت :
جَيشٌ عُيَينَـةُ وَاِبنُ حَـربٍ فيهِـمِ ..... مُتَخَمِّطيـنَ بِحَلـبَـةِ الأَحـزابِ
أي محتدّين حدة مزاج وغضب .
وقوله تعالى (وَأَثْلٍ) الأثل شجر يشبه الطرفاء ويشبه شجر الصنوبر ، واحدتها أثلة ، ومن ذلك قول الأصمعي يصف رجلاً ابتلّت ثيابه بالمطر ويتساقط منها على الأرض فقال:
كأنّكَ أثلةٌ في أرضِ هشِّ ..... أتاها وابلٌ مِنْ بعدِ رشِّ
(وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ) السدر شجر النبق ، وهو على أنواع من الجودة والحجم والطعم .

------------------------------------

88 :والدليل على ذلك قول الأعشى:ففي ذلك للمؤتسي أسـوة ... ومأرب قفّى عليها العرِمرخام بنته لهـم حـمـير .......... إذا جاء ماؤهم لـم يرم

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم