كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة سبأ من الآية( 8) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

8 - (أَفْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ) بقوله هذا (أَم بِهِ جِنَّةٌ) فتكلم بما تكلم ؟ فرد الله عليهم فقال تعالى (بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ) يعني لايؤمنون بعالم النفوس (فِي الْعَذَابِ ) مصيرهم (وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ) عن الجنة كما ضلّوا عن طريق الحق في الدنيا .

9 - ثمّ أخذ سبحانه في وعظ المشركين وإرشادهم فقال تعالى (أَفَلَمْ يَرَوْا ) أصلها ألم يروا ؟ والفاء للتفكير ، وتقديره ألم يروا فيفكروا فيما رأوا (إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) من مخلوقات بادت واندثرت (وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاءِ) من طيور تطير فيها (وَالْأَرْضِ) من دواب تدبّ عليها ، والمعنى ألم يروا كيف تتجدّد الحياة في السماء بطيورها والأرض بدوابها فكلما ذبح منها أو مات تكونت أخرى مكانها وقامت بالإعمال مقامها ، طيور تبيض وتفرّخ ودواب تحمل وتلد ، وهكذا كل يوم تنشأ حياة جديدة من الطيور والحيوان والإنسان ، فلماذا ينكرون تجدد الحياة وهم يرون ذلك بأعينهم كل يوم ؟ ثم أخذ سبحانه في تهديدهم بالعذاب بعد أن بيّن لهم الأدلة على تجديد الحياة التي ينكرونها فقال تعالى (إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ) كما خسفنا بقارون وغيره (أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ) فنهلكهم كما أسقطنا على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل (إِنَّ فِي ذَ‌ٰلِكَ ) الذي ذكرناه (لَآيَةً ) على قدرتنا (لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ) أناب إلى الله بالتوبة ورجع إليه بالطاعة .

10 - (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا) فجمعنا له بين النبوة والملك وقلنا ( يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ) أي ردّدي الصوت معه حين يناجي ربه ، وهو صوت الصدَى ، ومن ذلك قول زهير :

تَأَوَّبَني ذِكرُ الأَحِبَّةِ بَعدَما هَجَعتُ وَدوني قُلَّةُ الحَزنِ فَالرَملُ
يقول الشاعر بتكرر ذكر الأحبة في ذاكرتي بعد هجوعي على فراش النوم . وقال سلامة بن جندل :
يومان يومُ مقاماتٍ وأنديةٍ .... ويومُ سيرٍ الى الأعداءِ تأويبُ
يعني تكرار. لأنّ داوود هرب الى الجبال من يد شاؤول ملك بني إسرائيل الذي إسمه في القرآن طالوت ، وانما أسماه الله طالوت تصغيراً لاسمه لأنه كان أطول الناس في زمانه ولأنه أراد قتل داوود فهرب الى الجبال وبقي في الجبال بضع سنين ، حتّى قُتِل شاؤول بيد أعدائه فصار داوود ملكاً مكان شاؤول المكنّى بطالوت .
وقوله ( وَالطَّيْرَ) يعني الطيور كانت تغرد معه وتردد ألحانها لئلا يستوحش داوود من الوحدة (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) لكي يعمل منه الدروع . والمعنى يسّرنا له وجود الحديد ، وهذا مثل يضرب عند العرب في تيسير كل عسير ، ولا يزال يُضرَب عند العرب فيقولون "لان له الحديد" أي سهّل الله له ما عسر عليه وجوده

11 - (أَنِ اعْمَلْ) دروعاً (سَابِغَاتٍ) أي واسعات . ومن ذلك قوله تعالى في سورة لقمان {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً } . يعني وسّع عليكم نعمه . وقوله (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) أي ضيِّق في تتابع الزرد ولا تبُقي بينها فجوة . ومن ذلك قوله تعالى في سورة الفجر{ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ } يعني فضيّق عليه رزقه . ثم وجّه الخطاب لِلذين يلبسون تلك الدروع فقال تعالى أُشكروني (وَاعْمَلُوا صَالِحًا) إذ هيأتُ لكم هذه الدروع لكي تحرسكم من القتل . ومثلها في المعنى في سورة النحل{وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ } ويريد بذلك الدروع .

(إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) وهذا تهديد لمن يعمل الموبقات ولا يعمل الصالحات .

12 - (وَلِسُلَيْمَانَ) سخّرنا (الرِّيحَ) لتسيير السفن في البحر (غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ) يعني ذهابها من فلسطين الى لبنان وهي مسافة شهر للسفن الشراعية ، فكانت تقطعها بيوم واحد بواسطة الرياح التي تسوقها ، وكذلك رجوعها من لبنان إلى فلسطين تقطعها بيوم واحد بسبب تلك الرياح (وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) كل منجم للمعادن يسمى عند العرب "عين" والقِطر هو النحاس ، والشاهد على ذلك قول شاعرهم :

فَأَلْقَى فِي مَرَاجِلَ مِنْ حَدِيدٍ ..... قُدُورَ الْقِطْرِ لَيْسَ مِنَ الْبَرَاةِ
أي قدور النحاس . فكان في نواحي فلسطين جبل وفيه منجم من النحاس وهو خليط مع التراب والأحجار على هيئة حبات ولم يكن سليمان يعلم به ، فصادف أن جاءت أمطار غزيرة فأنحدرت السيول من الجبال العالية على الجبل المنخفض الذي فيه منجم النحاس فانهدم طرف من الجبل الذي يطل على الطريق فسقطت منه حبات النحاس مع التراب ونزلت الى الطريق ، فلما طلعت الشمس ونشرت أشعتها عليها صارت تلمع حبّات النحاس فرآها بعض المارة وأخبروا سليمان بذلك ، فأرسل عمّالاً يستخرجون النحاس من ذلك الجبل ويصفُّونه من الأتربة والأحجار . فهذا معنى قوله تعالى (وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) يعني كشفنا له عن منجم النحاس بواسطة السيل ليستخرج منه ويستفيد به لصنع الأواني والقدور والجفان وغير ذلك (وَمِنَ الْجِنِّ) أي وسخّرنا له من الجن (مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ) يعني أباح الله لسليمان أن يسخّر الجن وهيأ له ذلك ، ولكن لم يرهم أحد من الناس إلا هو كان يراهم ويأمرهم بما يريد فيعملون له (وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا) يعني من يَمِلْ عن أمرنا ويمتنعْ عن العمل (نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ) أي من عذاب النار المستعرة . فالزيغ هو الميل عن الحق ، ومن ذلك قوله تعالى في سورة النجم { مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى } أي ما مال البصر . وقال تعالى في سورة ص حاكياً عن أهل النار قولهم { أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ } يعني أم مالت عنهم الأبصار ؟

13 - (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ) مفردها محراب ، كانوا ينحتونها من الحجر لبناء المسجد توضع فوق الأعمدة تصل بين عمودين ، ويسمى مفردها اليوم "طاق" (وَتَمَاثِيلَ ) في الحجر أي نقوش على هيئة أُسود وكروبيم ، وهي على هيئة ملائكة لها أجنحة ، وغير ذلك مما يستعمل لتزيين الجدران والأبنية (وَجِفَانٍ) مفردها جفنة ، وهي أواني نحاسية كبيرة الأحجام ، وتسمى اليوم عند الجيش قصعة (كَالْجَوَابِ) مفردها جابية ، وهي حوض مستطيل يوضع فيه ماء لسقي الأنعام والدواب ، ومن ذلك قول الخنساء في الجفان :

ألا إنّ يوْمَ ابنِ الشَّريدِ ورَهْطِهِ ..... أبادَ جِفاناً والقُدورَ الرّواكِدا
وقالت في الجوابي :
يَكفَأُها بِالطَعنِ فيها كَما ..... ثَلَّمَ باقي جَبوَةِ الجابِيَه
وقال الأعشى :
تَرُوحُ على آلِ المُحَلَّق جَفْنَةٌ ..... كجابيَة الشَّيْخِ العِراقيِّ تَفْهَقُ
وقال طرفة :
بجِفانٍ تَعْتَري ناديَنا ...... منْ سديفٍ حيَن هاجَ الصِّنَّبِرْ
كالجَوابي لا تَني مُتْرَعَةً .... لقِرَى الأضيافِ أو للمحتضِرْ
(وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ) على الأرض لسعتها وثقلها لا يتمكن من رفعها إلا ثمانية رجال . كانت تستعمل تلك القدور لطبخ الأطعمة للجيش (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ ) لبناء بيت المقدس (شُكْرًا) أي شاكرين بذلك ما أنعم الله به عليكم (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) يعني قليل منهم يشكرون .

------------------------------------
الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم