كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة فاطر من الآية( 1) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

1 - (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) وجاعلهما تِسع قِطع بعد ماكانت أرضاً واحدة وهيَ الكواكب السيّارة ومن جملتها الأرض كانت في بادئ الأمر أرضاً واحدة ففطّرها وشقّقها فصارت تسعة كواكب سيّارة أو أكثر من ذلك . والشاهد على ذلك قولهُ تعالى في سورة الأنبياء {أَوَلَمْ يَرَ الّذينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } أي كانتا قِطعة واحدة فشققّناها . وقد قلتُ فيما سبق أنّ كلّ آية تأتي في القرآن بذكر السموات والأرض فيجمع بينهما واو عطف يُريد بها الكواكب السيّارة . وقد شرحتُ هذا المنهج في كتابي الكون والقرآن على التفصيل ، وقولهُ تعالى (جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا ) إلى الأنبياء ينزلون بالوحي وبأوامر من الله ليقوم بأدائها الأنبياء والرُسُل (أُولِي أَجْنِحَةٍ ) كأجنحة الطير ، يُرسلهم (مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ) يعني يرسل الملائكة إلى الأنبياء إثنين إثنين ، أي في كلّ مرّة إثنين أو ثلاثة في كلّ مرّة أو أربعة ، كما أرسل إلى إبراهيم (ع) ثلاثة من الملائكة حين بشّروهُ بالولد (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ) فيخلق في المستقبَل نوعاً آخر غير الملائكة والجنّ والإنس (إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .

2 - (مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ) أي من نعمةٍ كمطر أو صحة أو علم أو رزق أو ولد صالح (فَلَا مُمْسِكَ لَهَا) أي لا يقدر أحد على منعها (وَمَا يُمْسِكْ) من ذلك (فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ) أي من بعد إمساكه (وَهُوَ الْعَزِيزُ) في مُلكه يفتح لمن يشاء ويمسك عمّن يشاء (الْحَكِيمُ) في أفعاله .

3 - (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) وأُشكروه (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ) بالمطر (وَالْأَرْضِ) بالنبات والثمر والشجر (لَا إِلَـٰهَ) في الكون (إِلَّا هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ) أي فكيف تصرفون عن طريق الحق إلى الضلال .

4 - (وَإِن يُكَذِّبُوكَ) يامحمد (فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ) فصبروا (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) أي ترجع النفوس بعد الموت فيجازيها على أعمالها ويعاقبها على أفعالها .

5 - (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ) بالثواب والعقاب (حَقٌّ) لاخُلف فيه (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) يزينتها وملاذّها (وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ) أي بحلمه وإمهاله ، وكذلك الشيطان (الْغَرُورُ) بأن يمنّيكم بالمغفرة مع الإصرار على المعاصي .

6 - (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ) يدعوكم إلى ما فيه الهلاك والخزي والعار (فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا) أي فعادوه ولا تتّبعوا أوامره (إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ) الى الكفر والإشراك والمعاصي في الدنيا (لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) في الآخرة .

7 - (الّذينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ) في الآخرة (وَالّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ) أي كثير .

8 - (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ) أي زيّن له الشيطان العمل السيء (فَرَآهُ حَسَنًا) فواظب عليه ولم يمتنع عنه ، كمن هداه الله إلى الإيمان والعمل الصالح فكان مستقيماً ، لا يستويان (فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ) أي يضلّ من يستحقّ الإضلال بسبب ظلمه للناس ، ويهدي من كان أهلاً للهداية بسبب عطفه على الفقراء والمساكين (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) إذ عرفت السبب . والمعنى لاتُهلِكْ نفسك يامحمد على هؤلاء المشركين إذ كفروا ولم يؤمنوا فإنّ الله أضلهم لأنّهم ظالمون (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) مع الفقراء والضعفاء من الإهانة والظلم .

9 - (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا ) أي تُهيّجهُ وتجمعهُ (فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ ) أي خالٍ من الزرع (فَأَحْيَيْنَا بِهِ ) أي بسببهِ ، لأنَّ السحاب المتصاعد يُذيب من الثلوج المنتشرة في الجوّ فتنزل مطراً فتُحيِي (الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ) حيث أجدبت واخضرّت بالنبات (كَذَلِكَ النُّشُورُ ) يعني كذلك إذا أردنا أن نُحييَ ميِّتاً من الأموات ، وكذلك خلقَ الله آدم وحوّاء

10 - (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ) فليتقِّ الله يكنْ عزيزاً (فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) وبيده أمرها فلا تتطلّبها من غيره ( إِلَيْهِ )يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ويُكتَب في اللوح المحفوظ . والكلم الطيب هو الذود عن الله ، وذلك إذا سمعت أحداً يكفر فتردعه وتضربه وتؤنبه . وإذا لم تتمكّن من ردعه تخبر السلطة لكي يعاقبوه . فهذا الذود عن الله تصعد به الملائكة إلى الله فتقول ياربّ إن فلاناً عبدك ذادَ عنك وأنبَّ فلاناً على كفره . فيقول الله تعالى للملائكة أكتبوا هذا في اللوح المحفوظ لتراه الملائكة ، فيكتبوه وكلما مرّ مَلَك بالّلوح نظر الى تلك الكتابة ودعا له بالخير والغفران . ومثلها في المعنى في سورة إبراهيم قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ}.

وقوله (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) يعني يرفعه إلى السماوات الأثيرية ، إلى الجنان، فإنّ الله تعالى يأمر الملائكة أن ترفع كل عمل صالح ، ومن تلك الأعمال الصدقة للفقراء والمساكين والأيتام والأرامل ، مثلاً إذا أعطيتَ تفاحة إلى يتيم في سبيل الله وأكلها ذلك اليتيم فإنّ روح تلك التفاحة تبقى مذخورة لك حتى تنتقل بموتك إلى عالم البرزخ فتجدها أمامك فتقول الملائكة خذ هذه التفاحة التي أعطيتها لليتيم في دار الدنيا ، وكذلك يأتونك بما أنفقت في سبيل الله وما أعطيتَ (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ) تقديره يمكرون المكرات السيئات ، وانما قال يمكرون السيئات لأن بعض المكر حسنة وذلك مثل أن تمكر بأنسان يكفر وبذلك يتوب عن كفره ، أو تمكر بشخض لا يصلّي وبذلك يداوم على الصلاة . وقد مكر سيدنا إبراهيم الخليل بالكافرين فكسّر أصنامهم ، وهذه أعمال حسنة وإن كانت مكراً ، وقوله (لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) يعني لمن يمكر السيئات (وَمَكْرُ أُولَـٰئِكَ هُوَ يَبُورُ) أي يبطل ويفسد .

------------------------------------
<<السورة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم