كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة فاطر من الآية( 11) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

11 - (وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ) أي خلق أباكم آدم من تراب ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة آل عمران {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} . (ثُمَّ ) خلق أولاده (مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا) لتتناسلوا (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ) حملها (إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ) أي وما يُمدّ في عمر معمَّر بسبب عطفه على الفقراء (وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ) أي وما من أحد كتبنا له عمراً طويلاً فينقص من عمره بسبب ظلمه للضعفاء (إِلَّا) نكتبه (فِي كِتَاب) أعماله . فإنّ الملائكة تكتب بإذن الله في صحائف الأعمال أنّ فلاناً ساعد الفقراء والمساكين فزدنا في عمره عشرين سنة ، وأنّ زيداً ظلم المساكين والضعفاء فنقصنا من عمره عشرين سنة (إِنَّ ذَ‌ٰلِكَ) النقصان والزيادة (عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) اي سهل لاصعوبة فيه .

12 - ثمّ ضرب الله مثلا بالكريم الذي يرحم الفقراء والضعفاء ويساعدهم وفي اللئيم الذي يظلم الناس ويضطهدهم : ببحرين أحدهما صالح للشرب والآخر مالح لا يصلح للشرب ، فقال تعالى (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ) أي ليسا سواءً (هَـٰذَا) إشارةً إلى نيل مصر (عَذْبٌ فُرَاتٌ) اي بارد وخالص من الأملاح . وقد سبق تفسيرها في سورة الفرقان عند قوله تعالى{ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} .

(سَائِغٌ شَرَابُهُ ) أي طيّبٌ شرابه هنيء . ومن ذلك قول النابغة الذبياني :
وساغَ ليَ الشّرابُ وكُنْتُ قَبْلاً ..... أكادُ أغَصُّ بالماءِ الحَمِيمِ
(وَهَـٰذَا) إشارةً إلى البحر الأحمر الذي غرق فيه فرعون وجنده (مِلْحٌ أُجَاجٌ) أي مالح فيه مرارة ، والمعنى فهل ماء البحرين عندكم سواء ؟ كلا لا يستويان ، فكذلك الكريم واللئيم لايستويان عند الله ، ثم بيّن سبحانه بأنّ البحر وإن كان مالحاً ولكن أنفع من الإنسان البخيل فقال تعالى (وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا) يعني الأسماك ( وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) يعني اللؤلؤ والمرجان ، والصَدف يستعمل للزينة والنقوش (وَتَرَى الْفُلْكَ) أي السفن والبواخر (فِيهِ مَوَاخِرَ) أي جواري فيه بذهاب وإياب . ومثلها في المعنى في سورة الشورى {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ } ، فالجواري هي السفن والبواخر تجري في البحار (لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ) بالركوب فيها للتجارة (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) إذا ربحتم في تجارتكم .

13 - (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى) سبق تفسيرها في سورة لقمان في آية 29 .

( ذَ‌ٰلِكُمُ) الذي أنشأ البحرين وسخّر الشمس والقمر (اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ) فاسألوه ما شئتم من متاع الدنيا ولا تسألوا غيره (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ) يعني الملائكة (مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ) يعني الملائكة الذين تدعونهم لقضاء حوائجكم ما يملكون من تكبير زهرة من الزهور التي في الجنة 89 فالأزهار تكون على قسمين بعضها صغار الأحجام ويسمى هذا النوع "قاطي" والقسم الآخر أكبر حجماً من الأول ويسمى "قطمر" أي النوع الكبير. والمعنى : إنّ الذين تدعونهم لقضاء جوائجكم لايقدرون على إنماء زهرة من الأزهار التي في الجنة بأن يجعلوها أكبر مما هي عليه فكيف يمكنهم أن يساعدوكم بشيء من المادة ويقضوا حوائجكم بدون إذن من الله لهم ؟

14 - ثمّ قال الله تعالى (إِن تَدْعُوهُمْ) لكشف ضرٍ (لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ) لأنّهم بعيدون عنكم فأنتم في الأرض وهم في السماوات الروحانيّة في الجنان الأثيرية (وَلَوْ سَمِعُوا) الذين معكم في الأرض يكتبون أعمالكم ويحصون عليكم أقوالكم (مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ) لأنهم لايعملون شيئاً بدون أمر من الله (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ) أي ينكرون عليكم عبادتكم لهم ويلومونكم عليها ويتبرؤون منكم (وَلَا يُنَبِّئُكَ ) يامحمد (مِثْلُ) جبرائيل (خَبِيرٍ) بأفعال الله مع المشركين من تدمير إذ هو خبير بما جرى يبصر ويرى . ونظير هذه الجملة في سورة الفرقان قوله تعالى {ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَـٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} يعني فاسأل جبرائيل عن قدرة الله وأفعاله .

15 - (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ ) فاعبدوهُ واسألوا حوائجكم منهُ (وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) .

16 - (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ) من الأرض بالموت (وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ) يخلقهم ويسكنهم أرضكم ودياركم .

17 - (وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ) أي بمُتعذِّر ولا متعسِّر .

18 - ولّما قال المشركون لمن آمن بالنبيّ [كما في سورة العنكبوت ] {اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ } ، نزل قوله تعالى (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ اُخرى ) يعني لا يحملُ أحدٌ ذنبَ غيره (وَإِن تَدْعُ ) نفسٌ (مُثْقَلَةٌ) بالأوزار (إِلَى) تخفيفِ (حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ) المدعو (ذَا قُرْبَى ) فلا تغترّوا أيّها المسلمون بقول المشركين فترجعون إلى دينهم (إِنَّمَا تُنذِرُ ) يا محمّد (الّذينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ ) أي يخافون ربّهم في خلواتهم كما يخافونهُ أمام الناس ، والمعنى : يخافونه بالسّرِ والعلانية (وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى ) بالمال ، يعني أعطى زيادة على زكاة مالهِ (فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ ) يعني نفع ذلك يعود عليهِ في الدنيا والآخرة (وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ) يعني وإلى جوار الله يكون مصيرهُ فيسكن في الجنان الأثيريّة تحت العرش .

19 - (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ ) أي ليسوا سواءً الكافر والمؤمن .

20 - (وَلَا الظُّلُمَاتُ ) في ليالي الشهر القمري سواء إذْ بعضها مُظلم وبعضها مُضيء ، فالظّلمة كناية عن الجهل والنور كناية عن الهداية ، واللّيالي المظلِمة كناية عن السنين الماضية التي كان الناس يتخبّطون فيها في ظُلمات الجهل فيعبدون الأصنام . والقمر كناية عن المرشِد والرسول الذي كان يدعوهم إلى عبادة الله وترك عِبادة الأصنام فلم يسمعوا لقولهِ حتّى أفلَ بموتهِ وغابَ عنهم (وَلَا النُّورُ ) أي ليس نور الشمس ونور القمر سواء . والنور كناية عن المرشِد والهادي الذي يُرشد قومهُ الى طريق الحقّ ، والمعنى : ليس الهُداة كلّهم سواء ، إذْ بعضهم أرسلناهُ إلى قبيلةٍ فقط فلم يتمكّن من هدايتهم ، وبعضهم أرسلناهُ إلى قومهِ فقط ، ولكنّ محمّداً أرسلناهُ إلى الناس أجمعين . والشاهد على أنّ الهُداة والرُسُل ليسوا سواءً قوله تعالى في سورة الإسراء {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ ، وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا } .

------------------------------------

89 :لأنّ الأزهار التي في الجنة روحانية لاتنمو فتكبر ولاتذبل فتصغر ، بل تبقى على حالها ندية زاهية آلاف السنين لايذهب رونقها ولايزول جمالها .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم