كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة فاطر من الآية( 20) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

20 - (وَلَا الظُّلُمَاتُ ) في ليالي الشهر القمري سواء إذْ بعضها مُظلم وبعضها مُضيء ، فالظّلمة كناية عن الجهل والنور كناية عن الهداية ، واللّيالي المظلِمة كناية عن السنين الماضية التي كان الناس يتخبّطون فيها في ظُلمات الجهل فيعبدون الأصنام . والقمر كناية عن المرشِد والرسول الذي كان يدعوهم إلى عبادة الله وترك عِبادة الأصنام فلم يسمعوا لقولهِ حتّى أفلَ بموتهِ وغابَ عنهم (وَلَا النُّورُ ) أي ليس نور الشمس ونور القمر سواء . والنور كناية عن المرشِد والهادي الذي يُرشد قومهُ الى طريق الحقّ ، والمعنى : ليس الهُداة كلّهم سواء ، إذْ بعضهم أرسلناهُ إلى قبيلةٍ فقط فلم يتمكّن من هدايتهم ، وبعضهم أرسلناهُ إلى قومهِ فقط ، ولكنّ محمّداً أرسلناهُ إلى الناس أجمعين . والشاهد على أنّ الهُداة والرُسُل ليسوا سواءً قوله تعالى في سورة الإسراء {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ ، وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا } .

21 - وقوله (وَلَا الظِّلُّ ) يعني ليس الظلّ عندكم في الدنيا وعندنا في الجنة سواء ، لأنّ الظلّ عندكم يزول بسبب دوران الأرض وانتقال أشعة الشمس عليها ، ولكنّ الظلّ عندنا في الجنان ثابت لايزول لأنّ أرض الجنة ثابتة لاتدور فلذلك يكون الظل فيها ثابتاً ، ثمّ إنّ الظلّ عندكم في الصيف ساخن وفي الشتاء بارد ، ولكنْ عندنا معتدل على الدوام لا ساخن ولا بارد ، فلا تختاروا الظلّ الذي عندكم على الذي عندنا ، فاعملوا لآخرتكم كي تنتقلوا إلى الظلّ الذي عندنا . قال الله تعالى في سورة النساء { لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا} .

وقوله (وَلَا الْحَرُورُ) . الحرُّ كناية عن العذاب ، والمعنى ليس الحَرّ الذي عندكم في الصيف وحرارة جهنم سواء فأعملوا لآخرتكم وجاهدوا في سبيل الله وتحمّلوا حر الصيف لكي تنجوا من حرارة جهنم . والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة البقرة {وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ}.

22 - (وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ ) في أعمالهم وجهادهم في سبيل الله ، فالأحياء هم المؤمنون الّذينَ استجابوا لربّهم ولرسولهِ وآمنوا ، ولكنهم ليسوا سواء في العمل والجهاد في سبيل الله فبعضهم جاهدوا وبعضهم تخلّفوا عن الجهاد ، فالمجاهِدون هم الأحياء عندَ ربّهم ، وذلك قولهُ تعالى في سورة البقرة {وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَـٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ } . وقوله (وَلَا الْأَمْوَاتُ ) فالأموات كناية عن المشركين لأنّهم خسِروا آخرتهم وأهليهم ، وهم ليسوا سواءً لأنّ بعضهم قاتلوا النبيّ وبعضهم عاهدوهُ على السّلم ولم يُقاتِلوهُ (إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ ) أي يهدي إلى الإسلام من كان أهلاً للهداية (وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ ) يعني المعاندين من المشركين شبّههم سُبحانهُ بالأرواح المسجونة في القبور ، فكذلك المشركون مُقيَّدون بتقاليد آبائهم

23 - (إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ) وقد أنذرتَ .

24 - (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ ) يامحمد (بِالْحَقِّ) أي بالقرآن (بَشِيرًا) بالجنة للمؤمنين (وَنَذِيرًا) بالعذاب للكافرين والمشركين والفاسقين (وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ) من الأمم الضالة (إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) أي الا مضى فيها مرشد ومُهدي أنذرهم عذاب الله إنْ لم يتركوا عبادة الأصنام والأوثان .

25 - (وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) أي قبل قريش ومشركي العرب (جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ) الدالّة على صدقهم (وَبِالزُّبُرِ) أي وبالقطع الحجرية ، يعني ألواح موسى ، وهي التوراة الأصلية . فكلمة "زبر" معناها قطع ، ومن ذلك قوله تعالى في قصة إسكندر لَمّا بنَى السدّ قال {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} أي قطعاً من الحديد .

وقوله (وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ) يعني الكتب السماوية وهي صحف إبراهيم وتوراة موسى وزبور داوود وإنجيل عيسى .

26 - (ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا) بالعذاب حتى هلكوا (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) أي فكيف كان عاقبة إنكارهم لرسلي وتكذيبهم بالعذاب ، أليس كان الهلاك والدمار ؟

27 - (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ) من الزرع والنخيل والأشجار (مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا) وأحجامها وطعمها ورائحتها (وَمِنَ الْجِبَالِ) أي وأخرجنا بماء المطر جبالاً (جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا) أي جبال جديدة نتيجة التعرية والتآكل ، ذلك أن ماء المطر يذيب غاز ثنائي اوكسيد الكاربون الموجود في الهواء فيتكون حامض الكاربونيك فيذيب هذا الأخير من الأحجار الكلسية التي في الجبال فتنزل إلى البحار أو إلى الأراضي المنخفضة فتتحجّر ثانية ، وهكذا تستمر العملية على مرّ السنين حتى يصبح جبلاً جديداً .

أما قوله تعالى (وَغَرَابِيبُ سُودٌ) تقديره وكوّنا بماء المطر غرابيب سوداً ، مفردها غربيب ، وهو الفحم الحجري ، يقال في المثل "أسود غربيب" أي يشبه الفحم في سواده . ومن ذلك قول امرئ القيس :
وَالمَـاءُ مُــنْهَمِـرٌ وَالشَّــدُّ مُـنْحَـدِرٌ ..... وَالقُصْبُ مُضْطَمِرٌ وَاللَّونُ غِرْبِيـبُ
ويريد بذلك الفحم الحجري لأنه يتحجّر بواسطة حامض الكربونيك المتكوّن بسبب الأمطار وإنما قال تعالى "غرابيب" على الجمع لأنّ الفحم الحجري على أربعة أقسام90. وقد سبق تفسير هذه الآية في كتابي الكون والقرآن بالتفصيل.

28 - (وَمِنَ النَّاسِ ) مختلف ألوانها أيضاً ، وهم الجنس الأبيض والأصفر والأسود والأحمر، لأنّ البشر الموجودين على أرضنا هم أربعة أجناس . وقد شرحتُ عنهم في كتابي الكون والقرآن بالتفصيل .

(وَالدَّوَابِّ) مختلف ألوانها ونقوشها (وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَ‌ٰلِكَ) أي كما اختلفت ألوان الناس والدواب كذلك الأنعام (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) يعني العلماء يخافون الله لأنّهم يعرفون العاقبة فيخشونه ويخافون عقابه (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ) في ملكه (غَفُورٌ) لمن يخشاه ولايشرك بعبادته شيئاً .

29 - (إِنَّ) المؤمنين (الّذينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ ) أي يقرؤون القرآن (وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ ) من الله (تِجَارَةً لَّن تَبُورَ ) أي لن تكسد ولن تفسد ، وفي ذلك قول لبيد : رأيتُ التُّقَى والحمدَ خيرَ تجارَةٍ رَباحاً إذا ما المَرْءُ أصْبَحَ ثَاقِلا

------------------------------------

90 :يوجد منه منجم في قرية "بلكانة" الواقعة بين بغداد وأربيل.

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم