كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة فاطر من الآية( 7) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

7 - (الّذينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ) في الآخرة (وَالّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ) أي كثير .

8 - (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ) أي زيّن له الشيطان العمل السيء (فَرَآهُ حَسَنًا) فواظب عليه ولم يمتنع عنه ، كمن هداه الله إلى الإيمان والعمل الصالح فكان مستقيماً ، لا يستويان (فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ) أي يضلّ من يستحقّ الإضلال بسبب ظلمه للناس ، ويهدي من كان أهلاً للهداية بسبب عطفه على الفقراء والمساكين (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) إذ عرفت السبب . والمعنى لاتُهلِكْ نفسك يامحمد على هؤلاء المشركين إذ كفروا ولم يؤمنوا فإنّ الله أضلهم لأنّهم ظالمون (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) مع الفقراء والضعفاء من الإهانة والظلم .

9 - (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا ) أي تُهيّجهُ وتجمعهُ (فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ ) أي خالٍ من الزرع (فَأَحْيَيْنَا بِهِ ) أي بسببهِ ، لأنَّ السحاب المتصاعد يُذيب من الثلوج المنتشرة في الجوّ فتنزل مطراً فتُحيِي (الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ) حيث أجدبت واخضرّت بالنبات (كَذَلِكَ النُّشُورُ ) يعني كذلك إذا أردنا أن نُحييَ ميِّتاً من الأموات ، وكذلك خلقَ الله آدم وحوّاء

10 - (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ) فليتقِّ الله يكنْ عزيزاً (فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) وبيده أمرها فلا تتطلّبها من غيره ( إِلَيْهِ )يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ويُكتَب في اللوح المحفوظ . والكلم الطيب هو الذود عن الله ، وذلك إذا سمعت أحداً يكفر فتردعه وتضربه وتؤنبه . وإذا لم تتمكّن من ردعه تخبر السلطة لكي يعاقبوه . فهذا الذود عن الله تصعد به الملائكة إلى الله فتقول ياربّ إن فلاناً عبدك ذادَ عنك وأنبَّ فلاناً على كفره . فيقول الله تعالى للملائكة أكتبوا هذا في اللوح المحفوظ لتراه الملائكة ، فيكتبوه وكلما مرّ مَلَك بالّلوح نظر الى تلك الكتابة ودعا له بالخير والغفران . ومثلها في المعنى في سورة إبراهيم قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ}.

وقوله (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) يعني يرفعه إلى السماوات الأثيرية ، إلى الجنان، فإنّ الله تعالى يأمر الملائكة أن ترفع كل عمل صالح ، ومن تلك الأعمال الصدقة للفقراء والمساكين والأيتام والأرامل ، مثلاً إذا أعطيتَ تفاحة إلى يتيم في سبيل الله وأكلها ذلك اليتيم فإنّ روح تلك التفاحة تبقى مذخورة لك حتى تنتقل بموتك إلى عالم البرزخ فتجدها أمامك فتقول الملائكة خذ هذه التفاحة التي أعطيتها لليتيم في دار الدنيا ، وكذلك يأتونك بما أنفقت في سبيل الله وما أعطيتَ (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ) تقديره يمكرون المكرات السيئات ، وانما قال يمكرون السيئات لأن بعض المكر حسنة وذلك مثل أن تمكر بأنسان يكفر وبذلك يتوب عن كفره ، أو تمكر بشخض لا يصلّي وبذلك يداوم على الصلاة . وقد مكر سيدنا إبراهيم الخليل بالكافرين فكسّر أصنامهم ، وهذه أعمال حسنة وإن كانت مكراً ، وقوله (لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) يعني لمن يمكر السيئات (وَمَكْرُ أُولَـٰئِكَ هُوَ يَبُورُ) أي يبطل ويفسد .

11 - (وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ) أي خلق أباكم آدم من تراب ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة آل عمران {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} . (ثُمَّ ) خلق أولاده (مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا) لتتناسلوا (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ) حملها (إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ) أي وما يُمدّ في عمر معمَّر بسبب عطفه على الفقراء (وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ) أي وما من أحد كتبنا له عمراً طويلاً فينقص من عمره بسبب ظلمه للضعفاء (إِلَّا) نكتبه (فِي كِتَاب) أعماله . فإنّ الملائكة تكتب بإذن الله في صحائف الأعمال أنّ فلاناً ساعد الفقراء والمساكين فزدنا في عمره عشرين سنة ، وأنّ زيداً ظلم المساكين والضعفاء فنقصنا من عمره عشرين سنة (إِنَّ ذَ‌ٰلِكَ) النقصان والزيادة (عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) اي سهل لاصعوبة فيه .

12 - ثمّ ضرب الله مثلا بالكريم الذي يرحم الفقراء والضعفاء ويساعدهم وفي اللئيم الذي يظلم الناس ويضطهدهم : ببحرين أحدهما صالح للشرب والآخر مالح لا يصلح للشرب ، فقال تعالى (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ) أي ليسا سواءً (هَـٰذَا) إشارةً إلى نيل مصر (عَذْبٌ فُرَاتٌ) اي بارد وخالص من الأملاح . وقد سبق تفسيرها في سورة الفرقان عند قوله تعالى{ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} .

(سَائِغٌ شَرَابُهُ ) أي طيّبٌ شرابه هنيء . ومن ذلك قول النابغة الذبياني :
وساغَ ليَ الشّرابُ وكُنْتُ قَبْلاً ..... أكادُ أغَصُّ بالماءِ الحَمِيمِ
(وَهَـٰذَا) إشارةً إلى البحر الأحمر الذي غرق فيه فرعون وجنده (مِلْحٌ أُجَاجٌ) أي مالح فيه مرارة ، والمعنى فهل ماء البحرين عندكم سواء ؟ كلا لا يستويان ، فكذلك الكريم واللئيم لايستويان عند الله ، ثم بيّن سبحانه بأنّ البحر وإن كان مالحاً ولكن أنفع من الإنسان البخيل فقال تعالى (وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا) يعني الأسماك ( وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) يعني اللؤلؤ والمرجان ، والصَدف يستعمل للزينة والنقوش (وَتَرَى الْفُلْكَ) أي السفن والبواخر (فِيهِ مَوَاخِرَ) أي جواري فيه بذهاب وإياب . ومثلها في المعنى في سورة الشورى {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ } ، فالجواري هي السفن والبواخر تجري في البحار (لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ) بالركوب فيها للتجارة (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) إذا ربحتم في تجارتكم .

13 - (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى) سبق تفسيرها في سورة لقمان في آية 29 .

( ذَ‌ٰلِكُمُ) الذي أنشأ البحرين وسخّر الشمس والقمر (اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ) فاسألوه ما شئتم من متاع الدنيا ولا تسألوا غيره (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ) يعني الملائكة (مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ) يعني الملائكة الذين تدعونهم لقضاء حوائجكم ما يملكون من تكبير زهرة من الزهور التي في الجنة 89 فالأزهار تكون على قسمين بعضها صغار الأحجام ويسمى هذا النوع "قاطي" والقسم الآخر أكبر حجماً من الأول ويسمى "قطمر" أي النوع الكبير. والمعنى : إنّ الذين تدعونهم لقضاء جوائجكم لايقدرون على إنماء زهرة من الأزهار التي في الجنة بأن يجعلوها أكبر مما هي عليه فكيف يمكنهم أن يساعدوكم بشيء من المادة ويقضوا حوائجكم بدون إذن من الله لهم ؟

------------------------------------

89 :لأنّ الأزهار التي في الجنة روحانية لاتنمو فتكبر ولاتذبل فتصغر ، بل تبقى على حالها ندية زاهية آلاف السنين لايذهب رونقها ولايزول جمالها .

الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم