كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة يس من الآية( 35) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

35 - (لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ ) أي من ثمر النخيل والأعناب (وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ) أي ويأكلون مِمّا عملتهُ أيديهم من دبسهما ومربّياتهما (أَفَلَا يَشْكُرُونَ ) على هذه النِعم .

36 - (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا ) أي الذكور والإناث والأصناف كلَّها (مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ ) من سائر النباتات كالبقول والأزهار والأشجار والأثمار (وَمِنْ أَنفُسِهِمْ ) خلقَ أزواجاً ذكوراً وإناثاً (وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ) من الحيوان الّذي لم يصلوا إلى معرفتهِ .

37 - (وَآيَةٌ لَّهُمْ ) على قدرتنا ظلامُ (اللّيل نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ ) أي نزيل منه ضياء الشمس ليكون ليلاً وذلك بسبب دوران الأرض حول محورها (فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ ) أي داخلون في الظلام

38 - (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ) . قرأ الحسن وابن عباس وعليّ بن الحسين وأبو جعفر الباقر وجعفر الصادق وعكرمة وابن مسعود وعطا ، فهؤلاء كلّهم قرأوا {والشمسُ تجري لا مُستقرَّ لها }4 والمعنى : إنَّ الشمس لا تزال تدور حول نفسها لا مُستقرَّ لها ، أي لا تقف عن الحركة حتّى ولو انفجرت ، وذلك لأنَّها تكون كواكب سيّارة بعد انفجارها وتشقّقها ، فالسيّارات أيضاً تدور حول نفسها وحول الشمس الجديدة ، ولا يكون لهنَّ مُستقر حتّى ولو قامت قيامتهنَّ وتمزّقنَ ، وذلك لأنّها تكون نيازك ، والنيازك لا مُستقرَّ لها لأنَّها تدور حول الكواكب السيّارة الجديدة حتّى تتمزّق وتكون هباءً منثوراً . والدليل على ذلك قوله تعالى {لا مُستقرَّ لها }ولم يقل لا مقرَّ لها ، لأنَّ المقرّ هو المكان الّذي يُقيم فيه الإنسان ، وأمّا الاستقرار فهو الراحة بعد التعب والسكون بعد النَصَب ، ومن ذلك قوله تعالى في سورة الفرقان في وصف أهل الجنّة {خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا } فالمستقرّ هو الراحة ، والمقام هو المكان الّذي يُقيم فيهِ الإنسان ، والمعنى :حَسُنَتْ فيها راحتهم وحَسُنَ مكانهم . وقال تعالى في سورة الأعراف في قِصّةِ موسى {وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي } فإنَّ الجبل لم يستقر بل صار يهتز حتّى تهدّم وخرَّ موسى صَعِقاً . وكذلك قوله تعالى في عرش بلقيس {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي } وكلمة {تجري} تطلق على كلِّ حركة سواءً كانت سيراً ذهاباً أو إياباً أو استدارةً ،
والشاهد على ذلك قول عمرو بن عدي اللخمي : صَدَدْتِ الكَأسَ عَنّا أُمَّ عَمْروٍ وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَمِينَا فقول الشاعر "مَجْراها اليَمِينَا" أي تدور نحو اليمين ، لأنَّ أُمَّ عمرو كانت تسقي واحداً بعد الآخر حتّى وصلت إلى عمرو بن عدي فصدّت عنهُ ولم تسقهِ .
وقوله (ذَلِكَ) أي الإتقان (تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) . فهذا معنى (لا مُستقرَّ لها) . أمّا إذا أخذنا ظاهر الآية وهو قوله تعالى (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ) فيكون المعنى : أنَّ الشمس تدور حول نجمٍ ثابت أكبر منها بكثير وهو جاذبٌ لها ، فالشمس تجري والنجم هو المستقَرّ لها . وقد اتفق علماء الفلك بأنَّ الشمس وتوابعها تدور حول نجمٍ ثابت أكبر منها بكثير وموقعهُ في الثريّا وتكمل دورتها حولهُ بمدّةِ ثلاثين سنة .

39 - (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ ) بسبب دورانهِ حول الأرض ، ففي كلّ ليلة ينزل مكاناً من الفضاء وينقص في رأي العين (حَتَّى عَادَ ) هلالاً في آخر الشهر (كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) والعرجون هو عِذق التمر ، والقديم هو اليابس المقوّس للسنة الماضية .

40 - (لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ ) يعني إنَّ الشمس على سعتها وقوّةِ جاذبيتها وحرارتها ، والقمر على صغره وخلوّه من الحرارة الباطنيّة وأنّهُ جرمٌ مجذوب ، فالشمس مع ذلك لا يمكنها أن تجذب القمر إليها ، وذلك لبُعدهِ عنها وقربه من الأرض ، وما ذلك إلّا بحكمتنا وتقديرنا (وَلَا اللّيل سَابِقُ النَّهَارِ ) فيخفيهِ عن الأنظار بل اللّيل يعقبهُ نهار مع أنَّ الفضاء كلّهُ أظلم وكلّهُ ليل ، فالنهار مُلازم اللّيل لا ينفكّ منهُ (وَكُلٌّ) من الشمس والقمر واللّيل والنهار (فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) فالشمس تسبح في الفضاء وتدور حول النجم الثابت الجاذب لها ، والقمر يسبح في الفضاء ويدور حول الأرض ، والأرض تسبح في الفضاء وتدور حول مِحورها فيتكوّن من دورانها اللّيل والنهار بواسطة أشعّة الشمس ، وتدور حول الشمس فيتكوّن من ذلك الفصول الأربعة . فتبارك الله ربُّ العالمين خالق الشموس والأقمار وجاعل اللّيل والنهار رحمةً للعالمين ونعمةً للشاكرين .

41 - (وَآيَةٌ لَّهُمْ ) على قُدرتنا (أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ ) أي أجدادهم ، وهذا من الأضداد فتُسمّى الأولاد والأجداد ذرّية (فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) أي المملوء بالناس والدوابّ ، وهي سفينة نوح .

42 - (وَخَلَقْنَا لَهُم ) بعد ذلك (مِّن مِّثْلِهِ ) أي مِثل فُلك نوح (مَا يَرْكَبُونَ ) فيها في البحر وقتَ أسفارهم .

43 - (وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ ) في البحر وقت ركوبهم في السُفُن (فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ ) إذا غرقوا ، لأنّ المياه تملأ أفواههم فلا يمكنهم أن يصرخوا ويستنجدوا ، والشاهد على ذلك قول الشاعر قالَتِ الضِّفْدَعُ قَـْولاً فَسَّرَتْهُ الحُكَماءُ في فَمِي ماءٌ وهَلْ يَنْطِقُ مَنْ فِي فِيهِ ماءُ (وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ ) أي ولا ينقذهم أحدٌ من الغرق .

44 - (إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا ) بهم (وَمَتَاعًا) بالحياة الّتي قدّرناها لهم (إِلَى حِينٍ ) آجالهم .

45 - (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ) بالتوبة ، يعني إتقوا عقاب أعمالكم الباطلة التي تقومون بها اليوم وما قمتم بها في الماضي وآمنوا بالله ورسوله (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) بقبول توبتكم . فإذا سمعوا هذا القول منك أنكروا عليك وقالوا إنّما نحن مصلحون .

46 - (وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ) التي في القرآن (إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) لا يستمعون إليها .

47 - (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ) يعني إذا قال المؤمنون للمشركين (أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) على فقرائكم ومحتاجيكم (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ) يعني إنّ الذين تأمروننا بأطعامهم والإنفاق عليهم لو شاء الله لأعطاهم وأغناهم ، فإذا أعطيناهم من المال بمعنى قد عارضنا أمر الله وعملنا ضدّ إرادته (إِنْ أَنتُمْ) أيها المسلمون (إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) لأنكم تريدون أن تغنوا من أفقره الله . هذا كان عذرهم ولم يعلموا أن الله تعالى يختبر عباده الغني بالفقير والفقير بالغني ليرى من يشرك منهم ومن يكفر .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم