كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة يس من الآية( 42) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

42 - (وَخَلَقْنَا لَهُم ) بعد ذلك (مِّن مِّثْلِهِ ) أي مِثل فُلك نوح (مَا يَرْكَبُونَ ) فيها في البحر وقتَ أسفارهم .

43 - (وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ ) في البحر وقت ركوبهم في السُفُن (فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ ) إذا غرقوا ، لأنّ المياه تملأ أفواههم فلا يمكنهم أن يصرخوا ويستنجدوا ، والشاهد على ذلك قول الشاعر قالَتِ الضِّفْدَعُ قَـْولاً فَسَّرَتْهُ الحُكَماءُ في فَمِي ماءٌ وهَلْ يَنْطِقُ مَنْ فِي فِيهِ ماءُ (وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ ) أي ولا ينقذهم أحدٌ من الغرق .

44 - (إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا ) بهم (وَمَتَاعًا) بالحياة الّتي قدّرناها لهم (إِلَى حِينٍ ) آجالهم .

45 - (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ) بالتوبة ، يعني إتقوا عقاب أعمالكم الباطلة التي تقومون بها اليوم وما قمتم بها في الماضي وآمنوا بالله ورسوله (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) بقبول توبتكم . فإذا سمعوا هذا القول منك أنكروا عليك وقالوا إنّما نحن مصلحون .

46 - (وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ) التي في القرآن (إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) لا يستمعون إليها .

47 - (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ) يعني إذا قال المؤمنون للمشركين (أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) على فقرائكم ومحتاجيكم (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ) يعني إنّ الذين تأمروننا بأطعامهم والإنفاق عليهم لو شاء الله لأعطاهم وأغناهم ، فإذا أعطيناهم من المال بمعنى قد عارضنا أمر الله وعملنا ضدّ إرادته (إِنْ أَنتُمْ) أيها المسلمون (إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) لأنكم تريدون أن تغنوا من أفقره الله . هذا كان عذرهم ولم يعلموا أن الله تعالى يختبر عباده الغني بالفقير والفقير بالغني ليرى من يشرك منهم ومن يكفر .

48 - (وَيَقُولُونَ) أي المشركون (مَتَىٰ هَـٰذَا الْوَعْدُ) الذي تعدوننا به من القتل والعذاب لنا ، والنصر والنعيم لكم (إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) في قولكم ؟ فأجاب الله تعالى عن سؤالهم فقال :

49 - (مَا يَنظُرُونَ) أي ما ينتظرون (إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً) يقوم بها المسلمون ضدّهم فيقتلونهم ويأسرونهم ، والصيحة هي قولهم "الله اكبر" وهذا كان شعار المسلمين إذا دخلوا ساحة القتال يصيحون الله أكبر ، يردّدونها ويقاتلون ، والمعنى هجمة واحدة يهجمون عليهم فيقتلون منهم ويأسرون ، وكانت تلك الصيحة يوم بدر (تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ) أي يتخاصمون فيما بينهم في أمر المسلمين وقتالهم .

50 - (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ) حينئذٍ (تَوْصِيَةً) يوصون بها قبل موتهم (وَلَا إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) يعني إلى مكة لا يرجعون بل يسقط بعضهم قتلى في وسط الطريق بين مكة والمدينة وبعضهم أسرى بأيدي المسلمين إلى المدينة . فكان كما أخبر الله تعالى عنهم .

51 - (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ96 فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ) الأجداث هي القبور واحدها جدث ، وقوله (فَإِذَا هُم) : هذه كلمة مختصرة من كلمتين ومعناها فحينئذ هم إلى ربهم ينسلون . يعني إلى الفضاء يصعدون جماعات جماعات ، لأنّ المحشر يكون في الفضاء وهم نفوس أثيرية ، وهذا الخروج من الأجداث خاصّ بالكافرين والمشركين . أما المؤمنون فهم يصعدون إلى الجنان قبل يوم القيامة ولا يسكنون القبور . أما الأجسام فتتبعثر وتكون تراباً . والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة العاديات {أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ} يعني إذا تبعثرت الأجسام التي في القبور . وقال تعالى في سورة النبأ {يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا} لأتخلّص من العذاب كما صار جسمي تراباً وخلص من العذاب .

52 - (قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا) أي من موضع رقادنا واحتجابنا فيه عن حرارة الشمس وأشعتها . يقولون هذا القول حين تتمزق الأرض فتخرج النفوس من القبور وتنتشر في الفضاء . والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة ق {يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا} يعني تتقطّع الأرض عنهم فيخرجون من جوفها ، أي من القبور . وهم الكافرون والمشركون ، أما المؤمنون فلا يسكنون القبور بل يصعدون مع الملائكة إلى الجنان .

ثمّ يتبيّن للكافرين أنه يوم القيامة الذي وعدتهم به رسلهم فحينئذ يقولون (هَـٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَـٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) ولكنّا لم نصدّقهم حينذاك وقد ظهر صدقهم . وهذا مما يؤيّد بأنّ الأجسام لاتعود إلى الحياة ثانية بل النفوس باقية وهي التي تحشر وتحاسب . وذلك قوله تعالى حاكياً عنهم (مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا) . فلو هناك إعادة للأجسام لقالوا من أحيانا ؟ أو لقالوا من أعادنا إلى الحياة ؟ ولكن لما كانوا موجودين غير معدومين وهم يسكنون القبور ليستظلوا بها من أشعة الشمس وحراراتها ، إذ لايوجد مكان غير القبور تكنّهم فلا أبنية ولاكهوف ولاشيء آخر يظلّهم عن حرارة الشمس ، لأنّ البيوت تتهدّم والجبال تتبعثر فتكون قاعاً صفصفاً لاترى فيها عِوَجاً ولا أمتاً فحينئذٍ يسكنون القبور. ثمّ يفاجئهم هذا الحادث وهو تمزيق الأرض قطعاً كثيرة فلا يبقى لهم مكان يختبئون فيه فينتشرون في الفضاء كالجراد المنتشر فيها ، فحينئذٍ يقولون ياويلنا من بعثنا من مرقدنا ؟ يعني من هو المسبّب لهذا الحادث حتى أخرجَنا من أماكننا التي كنا نقيم فيها . فالرقاد هو الاضطجاع على فراش النوم .

53 - (إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً) من إسرافيل يدعوهم بها إلى المحشر (فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ) يعني يصعدون جميعاً متّجهين نحو الصوت الذي يدعوهم . والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة الإسراء {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ} . حينئذٍ يقال لهم :

54 - (فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا) عند الحساب والمحاكمة (وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) فعامل الخير يجزى بالخير وعامل السوء يجزى بالسوء .

55 - (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ ) عنكم وإنْ كنتم من أقاربهم (فَاكِهُونَ) أي يتلذّذون بفواكه الجنّة ونعيمها .

------------------------------------

96 :وتقديره فإذا نفخ في الصور، وإنما حذف كلمة (إذا) لتكرار الجملة ، وهي قوله تعالى (فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ) ، فحذف الأولى وأبقى الثانية ، وقد سبقت كلمة إذا أيضاً عند قوله تعالى { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا } . وبذلك صار الكلام عن المستقبل لا عن الماضي . والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة الحاقة { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ } . و"الصور" هو الطبقة الباردة التي تتكون للشمس عند انتهاء حياتها ، و"النفخ" يكون من جوفها ، وهي الغازات تضغط على الطبقة الباردة فتنصدع ويكون لها صوت عظيم عند خروج الغازات من ذلك الصدع . ثم تنفجر الشمس وتكون تسع عشرة قطعة . وسيأتي شرح ذلك في سورة التكوير بالتفصيل .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم