كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة ص من الآية( 23) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

23 - ثم حكى سبحانه ما قاله أحد الخصمين فقال (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ) . تصف العرب النساء بالنعاج إذا كُنّ سماناً ، والنعجة هي بقرة الوحش . والشاهد على ذلك قول امرئ القيس :

هُمَا نَعجَتَانِ مِنْ نِعَاجِ تَبَالَةٍ ..... لدى جُؤذَرَينِ أوْ كبعض دمى هَكِرْ
إذا قَامَتَا تَضَوّعَ المِسْكُ مِنْهُمَا ... نَيسمَ الصَّبَا جاءتْ برِيحٍ من القُطُرْ
وهذه التسع والتسعون كناية عن نساء داوود ، والنعجة الواحدة كناية عن زوجة أوريا جاره ، (فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا) أي إجعلني كفيلاً لها ولمعاشها ، ومن ذلك قول الخنساء ترثي أخاها :
فتًى كانَ فينا لم يَرَ النّاسُ مِثْلَهُ ..... كَفالاً لأمٍّ أو وَكيلاً لمَحْرَمِ
(وَعَزَّنِي) أي غلبني (فِي الْخِطَابِ) أي في المراد فكانت إرادته أقوى من إرادتي ، مفردها "خطب" وهو الإرادة . والدليل على ذلك في قوله تعالى { مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ }.

24 - (قَالَ) داوود في جوابه (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ) ليضمّها (إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء) يعني من الرعاة الذين تختلط نعاجهم مع نعاج غيرهم (لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) بأخذ ما ليس له من الغنم (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) بالبعث والحساب (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ) يعني وهم قليلون . فحينئذٍ قال الملَكان قضى داوود على نفسه . وصعدا إلى السماء ، فانتبه حينئذٍ داوود وعرف أنّ المحاكمة كانت عليه وهو صاحب النعاج التسع والتسعين ، وجاره أوريّا صاحب النعجة الواحدة ، وبعدها جاء ناثان النبيّ وسأله مثل ذلك وعاتبه على فعله هذا .

القصة : صعد داوود يوماً إلى سطح داره فوقعت منه نظرة إلى سطح جاره أوريّا فرأى زوجته عريانة تغتسل فوق السطح وكانت جميلة فوقع حبّها في قلبه ، وكانت معركة بين الفلسطينيين وبين بني إسرائيل فأرسل زوجها إلى المعركة فقُتِلَ فتزوجها داوود بعد وفاة زوجها ، فولدت له إبناً مات صغيراً ثمّ ولدت له سليمان ، واسمها بثشبع . وكانت لداوود سبعٌ من النساء ومن السراري اثنان وثمانون سريّة ، ولذلك قال الملَك تسع وتسعون نعجة ، أما أوريّا فلم يكن له إلا امرأة واحدة . والقصّة مذكورة في سفر صاموئيل الثاني في الإصحاح الثاني عشر .
(وَظَنَّ دَاوُودُ) أي أيقن (أَنَّمَا فَتَنَّاهُ) أي اختبرناه بما فعل (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ) لما بدا منه من خطيئة (وَخَرَّ رَاكِعًا) يصلي (وَأَنَابَ) أي رجع إلى ربّه بالتوبة .

25 - (فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ) الذنب (وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا) في الآخرة (لَزُلْفَى) أي قُرب المنزلة (وَحُسْنَ مَآبٍ) في الجنة .

26 - ثم خاطبه على لسان النبي ناثان فقال (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) من بعد شاؤول ، يعني جعلناك ملِكاً على بني إسرائيل بعد طالوت (فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) لا تغصب حقّ أحدٍ من المؤمنين (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى) أي ولا تتّبع الشهوات فتشتهي زوجة غيرك . ومن ذلك قوله تعالى في سورة النازعات { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى . فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى } .

(فَيُضِلَّكَ) الهوى (عَن سَبِيلِ اللَّهِ) فتُعاقَب على ما فعلت لو لم تتبْ وتستغفر (إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) .

27 - (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا98بَاطِلًا) أي لم نخلقهما عبثاً دون غاية بل خلقناهما لسكن الجن والإنس ليعبدون . وذلك قوله تعالى في سورة الذاريات { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } ،

(ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) إذ يقولون لا بعث ولا حساب ولا نعيم ولا عقاب بعد الموت (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) في الآخرة ، يعني لهم شديد العذاب بسبب كفرهم وإنكارهم للبعث .

28 - (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ) فلا نجازيهم على أعمالهم بزعم هؤلاء المشركين (أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) سواءً محياهم ومماتهم ؟ يعني على ظنّهم إذا مات الإنسان انتهت حياته فلا جنة يتنعّم بها ولا نار يعاقب فيها فبالموت يتساوى المؤمن والكافر فلا نعيم لهذا ولا عقاب لذاك . ثم قال تعالى :

29 - (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) معناه إنّا أنزلنا إليك القرآن فيه أدلة عقلية وبراهين علمية تثبت وجود عالمٍ ثانٍ أثيري أي روحاني ينتقلون إليه بعد مماتهم غير عالمهم المادي الذي يعيشون فيه ، فيجب على كلّ إنسان عاقل أنْ يفكر في هذه الأدلة ليفهم الحقيقة وينقاد للحق ولا يخسر آخرته (وليتذكر أُولو الألباب) أي وليتعظ بهذا القرآن أُولو القلوب الواعية .

30 - (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ) إبنه (سُلَيْمَانَ) من زوجته بثشبع بنت إليعام التي كانت قبلاً زوجة أوريّا الحثي (نِعْمَ الْعَبْدُ) سليمان (إِنَّهُ أَوَّابٌ) أي يرجع إلى الله بالتوبة والطاعة .

31 - (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ) الخيل (بِالْعَشِيِّ) أي مساءً (الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ) وهذه صفة للخيل الأصيلات ، فالصافنات هي التي ترفع إحدى يديها حين وقوفها حتى تكون على طرف الحافر وتقوم على ثلاث قوائم ، وهذه عادة الأصيلات ، وفي ذلك قال الشاعر :

ألِفَ الصّفونَ فما يزالُ كأنّهُ ..... ممّا يقومُ على الثّلاثِ كسيرا
وقال عنترة :
وَلمْ يَهْجُمْ على أُسْدِ المنَايا ..... وَلمْ يَطْعَنْ صُدُورَ الصَّافِناتِ
والجياد جمع جواد ، وهو الذكر من الخيل إذا جاء الإسم مفرداً ، أما على الجمع يتساوى في ذلك الذكر والأنثى . فلما عُرضت على سليمان شغلته عن صلاته .

32 - (فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ) الخيل (حُبَّ الْخَيْرِ) أي كحبّي لما فيها الخير وهي الصلاة ، فشغلتني الخيل (عَن ذِكْرِ رَبِّي) أي عن الصلاة (حَتَّى تَوَارَتْ) الخيل عني (بِالْحِجَابِ) أي بالاصطبل . فكلمة "توارت" معناها إختفت . ومن ذلك قول عنترة :

وأَغُضُّ طرفي مابدَتْ لي جارَتي ..... حتى يُواري جارتي مأْواها

------------------------------------

98 : كلّ آية تأتي في القرآن فيها ذكر السماء والأرض تتبعها كلمة (وما بينهما) يجب أن يكون ذكر السماء على الجمع ، كما جاء ذلك في كلّ القرآن سوى هذه الآية ، لأنّ الجمع يشير إلى الكواكب السيارة والأرض من جملتها .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم