كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة ص من الآية( 34) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

34 - (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ) أي اختبرناه وامتحنّاه ( وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ) أي تمثالاً ، والدليل على ذلك قوله تعالى في قصة بني إسرائيل لما عبدوا العجل الذي صنعه السامري من ذهب{ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ } ، فكلمة جسد معناها تمثال (ثُمَّ أَنَابَ) أي رجع إلى الله بالتوبة مما خطر له في ذلك التمثال .

35 - (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي) زلّتي (وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) فملك أربعين سنة بعد وفاة أبيه داوود .

القصة : تزوّج سليمان نساء كثيرة بعضهنّ مشركات فدعته إحداهن إلى زيارة صنمها فأبى وقال لها : "أتعبدين حجراً لايسمع ولايبصر ؟" فقالت : "من قال لك لا يسمع ولا يبصر ؟ فإننا نسأله فيفهم ما نريد ويعطينا ما نطلب" ، قال : "لا صحة لذلك" ، قالت : "أتريد أن أدعوه فيأتي إلى هنا ويجلس على سريرك لتعلم أنه يفهم ويسمع ؟" ثم نادت الصنم وهي في مكانها وقالت : "ليكن جلوسك غداً على هذا السرير في الصباح المبكر ليعلم سليمان أنك تسمع وتبصر وتفهم."
ولَمّا ذهبت إلى فراشها لتنام أوصت جاريتها أن تأتي بالصنم ليلاً وتضعه على كرسي سليمان خُفيةً ، ولما أصبح الصباح خرج سليمان من غرفته وأخذ يتمشى في قصره وإذا بالصنم رابض على كرسيه فظنّ سليمان أن ما قالته زوجته في الصنم صحيحاً فأراد أن ينحني له بالتحية ولكن خطر له أن يمتحنه بالكلام فإن أجاب فكلام زوجته صحيح وإنْ لم يُجِبْ فإنّ زوجته كاذبة ، فسأله عن شيء فلم يجبه ، وكلّمه فلم يتكلم ، فعلم أنّ زوجته خدعته فرفع الصنم وألقى به على الأرض وكسّره .

36 - (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ) لتسوق السفن الشراعية في البحر (رُخَاءً) أي ريحاً ليّنة ليست بعاصفة (حَيْثُ أَصَابَ) من المواد الإنشائية لبناء بيت المقدس، يعني كانت الرياح تسوق السفن الشراعية إلى حيث وجد شيئاً من الأخشاب أو الأحجار أو غير ذلك فيحملونه في السفن لبناء بيت المقدس .

37 - (وَالشَّيَاطِينَ) يعني الجن سخرها له (كُلَّ بَنَّاء) يبني له (وَغَوَّاصٍ) يغوص في البحر ليخرج الأصداف لتزيين الجدران والمحاريب بالنقوش .

38 - (وَآخَرِينَ) منهم ، وهم العاصون أمر سليمان (مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ) أي مقيدين في القيود الحديدية ، مفردها صفد . ومن ذلك قول حسّان بن ثابت الأنصاري :

مِنْ كلّ مأسورٍ يُشَدُّ صِفادُهُ ..... صقرٍ إذا لاقَى الكتيبةَ حامِي
(هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ) على من شِئتَ بالعطاء (أَوْ أَمْسِكْ) عن العطاء وامنع من شِئتَ (بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي بقدر ما تريد لا نحاسبك على العطاء مهما أعطيت .

39 - (هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ ) على من شِئتَ بالعطاء (أَوْ أَمْسِكْ ) عن العطاء وامْنَعْ من شِئتَ (بِغَيْرِ حِسَابٍ ) أي بقدر ما تُريد لا نُحاسبك على العطاء مهما أعطيت .

40 - (وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى) أي قرب المنزلة (وَحُسْنَ مَآبٍ) أي وحسن المرجع في الجنة .

41 - (وَاذْكُرْ) لهم (عَبْدَنَا أَيُّوبَ) وقصته (إِذْ نَادَى رَبَّهُ) حين مسّه الضرُّ قائلاً (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ) فقتل أولادي بها (وَعَذَابٍ) فرماني سقيماً . والنصب جمع ومفردها منصبة ، وهي أحجار كبيرة ، وكان المشركون يذبحون القرابين للأصنام على النُصُب ، ولذلك حرّم الله تعالى أكل ما ذبح على النصب من أنعام . وذلك قوله تعالى في سورة المائدة { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ } ، وفي البلاد الحجرية يبنون بيوتهم من أحجار الجبال ، والمعنى إنّ الشيطان قتل أولادي بأحجار الجدار الذي أسقطه عليهم إذ كانوا جالسين بأجمعهم يأكلون في وليمة لبعضهم فجاء الشيطان وأوعز إلى بعض أتباعه من الجنّ أن اقلبوا الجدار على أولاد أيوب فاقتلوهم ، ففعلوا وسقط الجدار عليهم فماتوا بأجمعهم تحت الجدار، وعذّبني بالمرض والهموم التي تراكمت على قلبي .

42 - فقلنا له (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ) إلى العين المعدنية واغتسل فيها. وقد أظهر الله له ينبوعاً من ماء الكبريت البارد (هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ) ، وكان فيه أمراض جلدية فاغتسل فيها وشرب من مائها فبرئ من مرضه ، وكلمة "أركض" تستعمل في حادث شرّ وقع أو خير متوقّع ، فترى تلاميذ المدرسة يركضون ليبشرّوا أهلهم وذوييهم بالنجاح إذا حصلوا على ورقة نجاح ، وكذلك كلّ من سمع بخبر هام فيه سرور يركض ليرى الحقيقة من شدة فرحه . فقوله تعالى (ارْكُضْ)هذه بشارة له بالخير ، وقوله (بِرِجْلِكَ) أي إذهب بنفسك إلى العين واغتسل فيها ولا تأمر زوجتك لتأتيك بماءٍ منها لتغتسل . وإنّما أمَره الله أن يذهب بنفسه إلى العين ويغتسل فيها لأنّ الماء يحتوي على كبريتات المغنيسيوم وبعد خروجه من الينبوع يتّحد مع غاز ثاني أوكسيد الكاربون الموجود في الهواء أو مع كاربونات الكالسيوم الموجودة في الصخور فتتكون كاربونات المغنيسيوم وكبيرتات الكالسيوم وتترسب على الأرض وبذلك تذهب فائدة تلك المياه المنقولة من العين إلى مكان آخر حيث تترسب الأملاح ويبقى الماء خالصاً .

وتوجد في مدينة الموصل ينابيع كبيرتية منها باردة وهي على نهر دجلة يخرج منها ماء بارد مذاب فيه كبريتات المغنيسيوم "ملح افرنجي" طعمه مرّ فيه رائحة كريهة سامة هي غاز كبريتيد الهيدروجين . تظهر العين في الصيف حيث تنخفض مياه النهر فتظهر العين ، ولكن في الشتاء تغمرها مياه النهر ، يغتسل فيها من في جسمه أمراض جلدية مثل "الأكَزما والحكّة والدمامل وغير ذلك" ، ولايحصل الشفاء إلا بالاغتسال عشرين يوماً أو أكثر من ذلك .
وفي حمّام العليل قرب الموصل ينابيع ساخنة من مياه الكبريت يغتسل فيها من في جسمه روماتيزم أو شلل أو تشنج أعصاب .

43 - (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ) في الدنيا (وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ) في الآخرة (رَحْمَةً مِّنَّا) أي نعمة مِنّا عليه (وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ) أي موعظة لذوي القلوب الواعية يتعظون بقصته .

44 - (وَ) قلنا له لما أقسم أن يضرب زوجته مائة ضربة (خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ) زوجتك بدل المائة ضربة (وَلَا تَحْنَثْ) عن القسَم . الحنث هو أن يقسم الإنسان على شيء أن يعمله ثم يتراجع عن قسمه ولا يعمل ما أقسم عليه ، أو يحلف ألّا يعمل ثم يحنث ويعمل . ومن ذلك قول الخنساء:

حَلَفْتَ على أهْلِ اللّواءِ لَيوضَعَنْ ..... فما أحْنَثَتْكَ الخَيْلُ حتى أبَرّتِ
وقال الشاعر :
يُعاهِدُني لا خانَني ثُمَّ يَنكُثُ ..... وَأَحلِفُ لا كَلَّمتُهُ ثُمَّ أَحنَثُ
و"الضغث" هو شراميخ التمر الفارغة ، والمعنى خذ مائة شرموخ من عذق تمر واضربها به ضربة واحدة بدل المائة ، وهذه رخصة له دون غيره . وإنّما حلف عليها بالضرب لأنها جاءت إليه يوماً بلا جدايل وقد قصّتها وباعتها لاحتياجها للمال فغضب عليها وحلف أن يضربها مائة ضربة .
(إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ) أيوب (إِنَّهُ أَوَّابٌ) أي يرجع إلى الله بالسؤال وبالطاعة وبالتوبة . وقد سبقت قصة أيوب في سورة الأنبياء في آية 83 عند قوله تعالى {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى } .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم