كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة ص من الآية( 8) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

8 - (أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا) يعني أَأُنزِلَ عليه الوعظ من بيننا وفينا من هو أغنى منه وأكبر وأقوى فلم ينزل عليهم شيء من ذلك فكيف نزل على محمّد وهو رجل فقير ويتيم ؟ فقال الله تعالى (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي) أي لايحملهم على هذا القول إلّا الشكّ في القرآن (بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ) حينئذٍ يزول الشكّ عنهم ، يعني لما يموتون ويذوقون عذاب الآخرة حينئذٍ يؤمنون في وقت لا ينفعهم الإيمان .

9 - (أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ) فيهبون النبوة لمن يشاؤون ، فهو (الْعَزِيزِ) في ملكه (الْوَهَّابِ) يهب النبوّة لمن يشاء .

10 - (أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) فيعترضون علينا بإعطاء النبوة لمحمّد (فَلْيَرْتَقُوا) أي فليصعدوا إلينا (فِي الْأَسْبَابِ) الموصلة إلى السماء يطالبوننا إن كان لهم مُلك في ذلك . فالأسباب هي الوسائط الموصلة إلى الغاية ، ومن ذلك قول زهير بن أبي سلمى :

وَمَنْ هابَ أسبابَ المنايا يَنَلْنَهُ ..... وَإنْ يَرقَ أسبابَ السماءِ بسُلّمِ
"فأسباب المنايا" أراد بها الشاعر الحرب والقتال ، وأسباب الصعود إلى السماء هي السُلّم في قول الشاعر

11 - (جُندٌ مَّا) أي ما هم إلا جند من جنود الأصنام وجنود إبليس وسنهلكهم بالقتل والموت كما أهلكنا أمثالهم (هُنَالِكَ) أي في الزمن الماضي والمكان المعروف ، وكلمة "ما" تستعمل للتنوّع والتعدّد فيقولون "نوع ما" أي نوع من الأنواع الأخرى ، وقوله تعالى (مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ) يعني سينهزمون أمامك كما انهزمت الأحزاب في الماضي الذي تحزّبوا على رسُلهم قبلك يا محمد .

12 - (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ) . فكان فرعون يدقّ الأوتاد في الأرض ويربط بها أطراف من يريد تعذيبه ويتركه في الشمس وقت الصيف مطروحاً على الأرض بلا ماء ولا غذاء حتى يموت .

13 - (وَثَمُودُ) وهو قوم صالح (وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ) وهم قوم شعيب ، وقد سبق شرح كلمة "الايكة" في سورة الشعراء وسورة الحِجر ايضاً ، وهي معجزة شعيب : شجرة كانت ميتة فسقاها الماء فأحياها بإذن الله ، وقوله تعالى (أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ) بقوّتهم وكثرتهم أهلكناهم فكيف بمن هم أقل منهم جمعاً وأضعف قوة .

14 - (إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ) يعني فوجب عليهم عقابي بتكذيبهم رسلي .

15 - (وَمَا يَنظُرُ هَؤُلَاء) أي وما ينتظر هؤلاء المشركون ، ومن ذلك قول عمرو بن شاس :

وَإن تنظراني اليومَ أتبعْكما غداً ..... أذلّ قياداً مِن جنيبٍ وأطوعا
(إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً) يقوم بها المسلمون ضدهم، يعني هجمة واحدة ، وصيحتهم في القتال الله أكبر (مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ) أي ما لتلك الوقعة من تفوّق للمشركين على المسلمين .
يقال فاقه بالمال ، أي زاد عليه ، وفاقه بالجيش ، أي زاد على جيشه . وكانت الوقعة يوم فتح مكة فلم يتفوّق المشركون على المسلمين بعدها .

16 - لَمّا سمع المشركون قول الله تعالى{ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ} من سورة الحج ، أخذ المشركون يضحكون فقال أحدهم : كيف تصنع ثيابٌ من النار؟ وقال الآخر : اللهمَّ عجّل لنا بقطعةٍ منها لكي نلبسها في الحرب بدل الدروع فنخيف بها الأعداء . فنزلت هذه الآية (وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا) أي قسطنا و نصيبنا من تلك الثياب ، يعني بقطعةٍ منها ، ومن ذلك قول حسّان يخاطب هند بنت عُتبة :

وابكِ على عُتبةَ إذْ قطّةُ ..... بِالسيفِ تحتَ الرّهَجِ الجائلِ
يعني قطعه بالسيف . وقال حاتم الطائي :
فخرَّ على حرِّ الجبينِ بضربةٍ ..... تقطُّ صِفافاً عن حشاً غيرِ مُسنَدِ
(قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ) أي في الدنيا قبل الآخرة .

17 - (اصْبِرْ) يا محمّد (عَلَى مَا يَقُولُونَ) من الاستهزاء والسخرية (وَاذْكُرْ) أذى (عَبْدَنَا دَاوُودَ) وكيف صبر على أذى قومه فكانت نتيجة صبره أنّا جعلناه ملكاً على بني إسرائيل بعد موت طالوت . وكان داوود (ذَا الْأَيْدِ) أي ذا الأيادي على قومه إذ نصرهم على أعدائهم فقتل جالوت وهزم جيشه فانتصر بنو إسرائيل بسببه وقام بأعمالٍ كثيرة لطالوت أيضاً ، ولكنّهم آذَوه وأرادوا قتله فهرب منهم إلى الجبال وهم يطلبونه ليقتلوه بدون ذنبٍ منه ولا إساءةٍ أساءها معهم ولكن حسداً من طالوت وتكبّراً عليه إذ علم أنه سيتولّى الملك بعده . وكذلك أنت يامحمد لك الأيادي على قومك بإرشاداتك وصدقك وأمانتك معهم فأنت تريد هدايتهم وهم يريدون قتلك ، وأنت تريد نفعهم وهم يريدون مضرتك ، فكما فعلت بنو إسرائيل مع داوود من الأذى كذلك قومك . (إِنَّهُ أَوَّابٌ) أي توّاب يرجع إلى الله بطلباته ولا يسأل أحداً إلّاالله . من قولهم "آب" أي رجع ، ومن ذلك قول الأعشى :

وإني امرؤٌ قد باتَ همّي قريبَتي ..... تأوِّبُني عندَ الفراش تأوّبا

18 - (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ) بترديد الصدى (بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ) يعني على الدوام .

19 - (وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ) . لَمّا كان داوود يناجي ربّه ويقرأ الزبور كانت الطيور التي حوله تجتمع إليه وتغرّد بأصواتها لئلا يستوحش داوود من الوحدة ، فإذا ذهبت لتأكل تعود بعد ذلك ، وهذا معنى قوله تعالى (كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ) .

20 - (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ) أي أحكمنا وقوّينا ملكه بوزراء عُقلاء علماء ورؤساء فاهمين فانتخبوه ملِكاً عليهم بعد أن قُتِلَ طالوت (وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ) أي الموعظة في الزبور (وَفَصْلَ الْخِطَابِ) في الحُكم ، يعني الفصل بالحكم بين المتخاصمين .

21 - (وَهَلْ أَتَاكَ) يا محمد (نَبَأُ الْخَصْمِ) يعني هل بلغك خبرهم (إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ) يعني صعدوا إلى داوود من السور من فوق المحراب . وهما مَلَكان أرسلهما الله تعالى إلى داوود ليُذكّراه بخطيئته ، وإنما جاء ذكرهما على الجمع لأنّ ناثان النبيّ جاء بعدهما وسأله مثل تلك الأسئلة وأنّبه على فعله ، فصاروا ثلاثة ولذلك جاء ذكرهم على الجمع .

22 - (إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ) لأنهم دخلوا عليه في غير الوقت المقرّر للمحاكمة (قَالُوا لَا تَخَفْ) نحن (خَصْمَانِ97بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ) أي ولا تتجاوز الحق فيه بالميل لأحدنا على خصمه . فكلمة "شط" معناها البعد وتجاوز الحد فيه . ومن ذلك قول عنترة :

دارٌ لعبلةَ شطَّ عنْك مزارُها ..... ونأْتْ ففارَقَ مُقْلتيك هُجوعُها
(وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ) أي أرشدنا إلى وسط الطريق الذي هو طريق الحق .

------------------------------------

97 :وهنا حذف سبحانه أسئلة ناثان وأخذ يشرح أسئلة الملَكين ، لأنّ قصة ناثان مذكورة في التوراة ولذلك جاء ذكرهم على التثنية .

الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم