كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الزمر من الآية( 36) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

36 - لَمّا أمر النبي أصحابه بتكسير الأصنام يوم فتح مكة قال بعض المشركين لاتفعلوا لأنها تنتقم منكم فإن بأسها شديد . فنزل قوله تعالى (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) إبراهيم شرّهم لما كسّر أصنامهم ؟ فكذلك أنتم أيها المسلمون يكفيكم شرّهم فلا تسمعوا لأقوال المشركين . (وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ) أي يخوفونك بالملائكة ، لأنّ الأصنام التي كانت عندهم تماثيل للملائكة بزعمهم ، فقالوا إن كسّرت هذه التماثيل فإن الملائكة تنتقم منك .

وكذلك اليوم يقولون لي : "إنّ الأئمة والمشايخ تنتقم منك لأنك تقول لا تقدّسوا قبورهم ولاتنذروا لهم ولاتسألوا حوائجكم منهم وتستعينوا بهم عند قيامكم وعند قعودكم ، أليسوا هم أولياء الله ؟"
فقد ضل المشركون عن طريق الحق (وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) يهديه إلى طريق الصواب .
ومن الحوادث المؤسفة التي يخوّفون بها صغار العقول ، حادثة وقعت لجارتنا في زقاقنا يسمى بيت النجار في بلدة الحلة في أول شهر ذي الحجة سنة 1402 هجرية ، طرقت الباب إمرأة مشعوذة على جارتنا وقالت : "إني قيّمة الحمزة ((وهو أحد أبناء الأئمة، من القبور المشيدة الذي يبعد قبره عن بلدة الحلة بضعة فراسخ)) ، وإني فوّالة "بصّارة" أكشف لكم عما تضمرون وتريدون ."
فأدخلوها الدار وتفاءلت لهم ، ثم أعطوها درهمين كماهي أجرة غيرها من الفوّالات ، فرفضت الدرهمين وقالت : "إنّ أجرتي 47 ديناراً وإن لم تدفعوا لي هذا المبلغ فسيعاقبكم الحمزة ويميت أولادكم أو يوقعكم بكارثة تخسرون بدل هذا المبلغ أضعافاً" ، ومهما حاولوا أن يقنعوها بشيء قليل من النقود لم توافق ، وأخيراً جمعوا لها المبلغ الذي طلبته من هنا وهناك واستقرضوا الباقي ودفعوه إلى المرأة المشعوذة الدجّالة لأنّهم يخافون أن يعاقبهم الحمزة . ومثل هذه الحادثة كثير .

37 - (وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ ) أي من يهديه الله إلى طريق الحقّ فلا يقدر أحد أن يُضلّهُ (أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ) في مُلكهِ ينتقم لك يا محمّد ممّن يؤذيك (ذِي انتِقَامٍ ) من الكافرين والمشركين والظالمين .

38 - (وَلَئِن سَأَلْتَهُم) أي المشركين (مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) خلقهنّ (قُلْ أَفَرَأَيْتُم) أي فكّروا ثم ابدوا لي رأيكم في (مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) يعني في الذين تعبدونهم من دون الله (إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ) يعني هل تتمكّن آلهتكم أن تزيل الضرّ عنّي فتشفيني من مرض أو تغنيني من فقر أو تدفع عني أذىً ؟ فالجواب كلا لا تقدر على شيء من ذلك ، (أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ) أي بخير وعافية (هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ) يعني هل يحبسنّ عني رحمته ؟ كلا ، والمعنى : من عجز عن النفع والضر وكشف السوء عمن يتقرّب إليه كيف يَحسُن عبادته إليه (قُلْ) يا محمّد (حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) بنشر دين الإسلام فينجحوا .

39 - (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ) أي اعملوا على قدر تمكّنكم مني ومن أصحابي فلا نخاف مكركم ، فالله ينصرنا عليكم (إِنِّي عَامِلٌ) بما أمرني ربي من تبليغ الرسالة والدعوة إلى عبادته وحده ونبذ الأصنام (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) .

40 - (مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ) أنا أم أنتم (وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) أي دائم وذلك في الآخرة .

41 - (إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ) أي القرآن (لِلنَّاسِ) أي لتعليم الناس وإرشادهم (بِالْحَقِّ) أي بدين الحق (فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ) ثوابه (وَمَن ضَلَّ) عن طريق الحق ولزم طريق الشرك (فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) أي فآثامه تعود على نفسه (وَمَا أَنتَ) يا محمد (عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ) أي بحفيظ، والمعنى لست عليهم بحفيظ تُنجيهم فتكون شديد الحرص على نجاتهم بل أنت نذير .

42 - (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) يعني تكون النفوس في قبضته حين انفصالها عن الأجسام (وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) يعني والتي لم تنفصل عن أجسامها وقت النوم . لأنّ النوم قسمان إتصالي وإنفصالي ، وكلمة "موت" معناها إنفصال الروح عن الجسم ، والشاهد على ذلك قول الأعشى :

وعُلّقتْهُ فتاةٌ ما يُحاولُها ..... من أهلِها ميّتٌ يهذي بِها وهلُ
فقول الشاعر من أهلها ميت : يعني منفصل عن أهلها ، والدليل على ذلك قوله مايحاولها ، والمعنى لايمكنه أن يحاول الوصول إليها لإنّه منفصل عن أهلها . وقال حاتم الطائي :
وَدِدتُ وَبَيتِ اللَهِ لَو أَنَّ أَنفَهُ ..... هَواءٌ فَما مَتَّ المُخاطَ عَنِ العَظمِ
أي فما فصلتُ المخاط عن العظم .
(فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ) عنده في عالم النفوس (وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ) إلى أجسامها لتعيش في الدنيا (إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى) يعني إلى الوقت المقدّر أن ينتهي فيه أجلها (إِنَّ فِي ذَ‌ٰلِكَ) أي في إمساك بعض النفوس عنده في عالم الأثير وإرسال الأخرى إلى أجسامها (لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) في النوم واليقظة وفي الموت والحياة . وقد سبق تفسير هذه الآية في كتابي "الإنسان بعد الموت" بالتفصيل .

43 - (أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ) تقديره هل إتخذوا الأنداد لينصروهم أم إتخذوهم شفعاء ، كلا ، لا يستطيعون نصرهم ولايشفعون لهم فللّه الشفاعة جميعاً (قُلْ) لهم يا محمد (أَوَلَوْ كَانُوا) شركاؤكم (لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا) من ذلك فلا النصر على أعدائهم ولا الشفاعة (وَلَا يَعْقِلُونَ) لأنها أحجار منحوتة لا تسمع ولا تبصر .

44 - (قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا) يعني إنّ الشفيع لايشفع إلا لِمَن أذن الله بشفاعته (لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) والذين تدعون من دونه لا يملكون شيئاً منهنّ (ثُمَّ إليه تُرْجَعُونَ) بعد موتكم فيعقابكم على أفعالكم .

45 - (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ) بالقدرة وإن الأنداد لاقدرة لهم على شيء (اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) يعني نفرت قلوبهم منك وأنكروا عليك هذا القول وقالوا بل شركاؤنا أيضاً لهم القدرة بتمليك الله لهم إياها . فالاشمئزاز معناه النفور ، ومن ذلك قول عمرو بن كلثوم :

إِذَا عَضَّ الثَّقَافُ بِهَا اشْمَـأَزَّتْ ..... وَوَلَّتْـهُ عَشَـوْزَنَةً زَبُـوْنَـا
(وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ) بالقدرة والذكر الحسن (إِذَا هُمْ) أي المشركون (يَسْتَبْشِرُونَ) ويفرحون بمدح آلهتهم .
أقول لقد انطبقت هذه الآية في زماننا كلّ الانطباق ، فإذا قلت لمن يتمسّك بقبور الأئمة والمشايخ : "إنّ القبور هذه لاتملك لك نفعاً ولاتدفع عنك ضرّاً ، إسأل حاجتك من الله وهو يقضيها لك ، لإنّ القدرة له والأمر بيده ولا قدرة لغيره من المخلوقين ." فإذا سمع هذا القول منك اشمأزّت نفسه وحقد قلبه عليك وأدار بوجهه عنك وقال : "هؤلاء أولياء الله وقد وهبهم الله من قدرته فهم يبرئون الأكمه والأبرص بل ويحيون الموتى بإذن الله ويُدخِلون الجنة من أحبّوا والنار لمن كرِهوا فيجب علينا تقديسهم وتشييد قبورهم وتقديم القرابين لأجلهم لأنهم شفعاؤنا عند الله ولأجلهم خلق الله السماوات والأرض ." وقد نسوا قول الله تعالى {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} ، وإذا ذُكرت عندهم محاسن أحد الأئمة تراهم يستبشرون ويأخذون في مدحه والثناء عليه ، وهذا نوع آخر من الإشراك .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم