كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الزمر من الآية( 39) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

39 - (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ) أي اعملوا على قدر تمكّنكم مني ومن أصحابي فلا نخاف مكركم ، فالله ينصرنا عليكم (إِنِّي عَامِلٌ) بما أمرني ربي من تبليغ الرسالة والدعوة إلى عبادته وحده ونبذ الأصنام (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) .

40 - (مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ) أنا أم أنتم (وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) أي دائم وذلك في الآخرة .

41 - (إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ) أي القرآن (لِلنَّاسِ) أي لتعليم الناس وإرشادهم (بِالْحَقِّ) أي بدين الحق (فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ) ثوابه (وَمَن ضَلَّ) عن طريق الحق ولزم طريق الشرك (فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) أي فآثامه تعود على نفسه (وَمَا أَنتَ) يا محمد (عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ) أي بحفيظ، والمعنى لست عليهم بحفيظ تُنجيهم فتكون شديد الحرص على نجاتهم بل أنت نذير .

42 - (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) يعني تكون النفوس في قبضته حين انفصالها عن الأجسام (وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) يعني والتي لم تنفصل عن أجسامها وقت النوم . لأنّ النوم قسمان إتصالي وإنفصالي ، وكلمة "موت" معناها إنفصال الروح عن الجسم ، والشاهد على ذلك قول الأعشى :

وعُلّقتْهُ فتاةٌ ما يُحاولُها ..... من أهلِها ميّتٌ يهذي بِها وهلُ
فقول الشاعر من أهلها ميت : يعني منفصل عن أهلها ، والدليل على ذلك قوله مايحاولها ، والمعنى لايمكنه أن يحاول الوصول إليها لإنّه منفصل عن أهلها . وقال حاتم الطائي :
وَدِدتُ وَبَيتِ اللَهِ لَو أَنَّ أَنفَهُ ..... هَواءٌ فَما مَتَّ المُخاطَ عَنِ العَظمِ
أي فما فصلتُ المخاط عن العظم .
(فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ) عنده في عالم النفوس (وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ) إلى أجسامها لتعيش في الدنيا (إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى) يعني إلى الوقت المقدّر أن ينتهي فيه أجلها (إِنَّ فِي ذَ‌ٰلِكَ) أي في إمساك بعض النفوس عنده في عالم الأثير وإرسال الأخرى إلى أجسامها (لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) في النوم واليقظة وفي الموت والحياة . وقد سبق تفسير هذه الآية في كتابي "الإنسان بعد الموت" بالتفصيل .

43 - (أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ) تقديره هل إتخذوا الأنداد لينصروهم أم إتخذوهم شفعاء ، كلا ، لا يستطيعون نصرهم ولايشفعون لهم فللّه الشفاعة جميعاً (قُلْ) لهم يا محمد (أَوَلَوْ كَانُوا) شركاؤكم (لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا) من ذلك فلا النصر على أعدائهم ولا الشفاعة (وَلَا يَعْقِلُونَ) لأنها أحجار منحوتة لا تسمع ولا تبصر .

44 - (قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا) يعني إنّ الشفيع لايشفع إلا لِمَن أذن الله بشفاعته (لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) والذين تدعون من دونه لا يملكون شيئاً منهنّ (ثُمَّ إليه تُرْجَعُونَ) بعد موتكم فيعقابكم على أفعالكم .

45 - (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ) بالقدرة وإن الأنداد لاقدرة لهم على شيء (اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) يعني نفرت قلوبهم منك وأنكروا عليك هذا القول وقالوا بل شركاؤنا أيضاً لهم القدرة بتمليك الله لهم إياها . فالاشمئزاز معناه النفور ، ومن ذلك قول عمرو بن كلثوم :

إِذَا عَضَّ الثَّقَافُ بِهَا اشْمَـأَزَّتْ ..... وَوَلَّتْـهُ عَشَـوْزَنَةً زَبُـوْنَـا
(وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ) بالقدرة والذكر الحسن (إِذَا هُمْ) أي المشركون (يَسْتَبْشِرُونَ) ويفرحون بمدح آلهتهم .
أقول لقد انطبقت هذه الآية في زماننا كلّ الانطباق ، فإذا قلت لمن يتمسّك بقبور الأئمة والمشايخ : "إنّ القبور هذه لاتملك لك نفعاً ولاتدفع عنك ضرّاً ، إسأل حاجتك من الله وهو يقضيها لك ، لإنّ القدرة له والأمر بيده ولا قدرة لغيره من المخلوقين ." فإذا سمع هذا القول منك اشمأزّت نفسه وحقد قلبه عليك وأدار بوجهه عنك وقال : "هؤلاء أولياء الله وقد وهبهم الله من قدرته فهم يبرئون الأكمه والأبرص بل ويحيون الموتى بإذن الله ويُدخِلون الجنة من أحبّوا والنار لمن كرِهوا فيجب علينا تقديسهم وتشييد قبورهم وتقديم القرابين لأجلهم لأنهم شفعاؤنا عند الله ولأجلهم خلق الله السماوات والأرض ." وقد نسوا قول الله تعالى {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} ، وإذا ذُكرت عندهم محاسن أحد الأئمة تراهم يستبشرون ويأخذون في مدحه والثناء عليه ، وهذا نوع آخر من الإشراك .

46 - (قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي مشقّق الكواكب السيّارة وجاعلها قطعاً كثيرة بعدما كانت أرضاً واحدة . ومما يؤيّد هذا قوله تعالى في سورة الأنبياء {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} . يعني كانتا قطعة واحدة فشقّقناها وجعلناها قطعاً كثيرة . وقد سبق شرح كلمة "فاطر" في سورة الأنعام أيضاً في آية 14 وآية 79 .

(عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) أي عالمٌ بما غاب عنّا وما حضر عندنا (أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ) المشركين (فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) من شؤون الدين .

47 - (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا) أنفسهم بالإشراك (مَا فِي الْأَرْضِ) من أموال (جَمِيعًا) أي جميع الكواكب السيّارة )وَمِثْلَهُ مَعَهُ( زيادة عليه (لَافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُم) أي وتبيّن لهم (مِّنَ اللَّهِ مَالَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) يعني وتبيّن لهم بطلان عقائدهم وخسران أعمالهم إذ كانوا يعتقدون أنّ الملائكة تشفع لهم وأنهم يتقربون إلى الله بعبادتها ، ولذلك قالوا ما نعبدهم الّا ليقربونا إلى الله زلفى . فلمّا ماتوا وانتقلوا إلى عالم النفوس وواجهوا الحقيقة ظهر لهم عكس ماكانوا يعتقدون وتبيّن لهم صحة قول الأنبياء بأنّ الله تعالى لا يرضى أن يعبدوا أحداً سواه ولو كان المعبود من الملائكة المقربين أو الأنبياء والمرسلين ، لأنّ الله تعالى غيور فلا يرضى أن تُقدّس أحداً من أوليائه ولا أن تنذر له أو تستعين به عند قيامك وقعودك أو تحلف به من غير أن تحلف بالله أو تسأل حاجتك منه أو تقرّب له القرابين أو توقد الشموع حول قبره وتبخّر البخور أو تتبرك بقبره أو تقبّل ضريحه وجدران مرقده ، وحتى تشييد القبور لا يجوز ولافائدة منها غير الخسارة للأموال والإتعاب للأجسام والعذاب للنفوس ، لأنّ الأولياء حين موتهم انتقلوا إلى الجنان ولم يبقَ في القبر سوى الأجسام البالية التي لافائدة منها إذ النفوس باقية تسمع وتبصر وتأكل وتشرب ، وما الأجسام إلا قوالب تكوّنت فيها النفوس ، ولَمّا خرجت النفوس منها بعملية الموت لم يبقَ فيها فائدة . فإذا جئت إلى قبر من قبور الأولياء أو الأنبياء وسألت حاجتك منه فهل يسمعك ليقضي حاجتك أو يكون واسطة بينك وبين الله فيسأل الله قضاءها ؟ كلا لا يسمعك ولا يجيبك ، لأنّ الوليّ ليس عليه عقاب فيسجن في قبره بل هو في الجنان في السماوات مع الملائكة منعّم يأكل من أثمارها ويشرب من أنهارها ويتنقّل بين قصورها وأشجارها .

قال الله تعالى في سورة فاطر {إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ} لأنهم في السماوات بعيدون عنكم ، {وَلَوْ سَمِعُوا} الملائكة الذين يكتبون أعمالكم {مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ} لإنهم لايملكون شيئاً من إرادة الله {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ} ويقولون لكم : "لماذا عبدتم قبورنا وسألتم حوائجكم منها أليس كان الأجدر بكم أن تسألوا حوائجكم من الله الذي خلقكم ورزقكم وتقدّسوا ربّكم بدل تقديسكم قبورنا وتشييدها فجعلتموها معابد تُعبد من دون الله ؟ فنحن براءٌ منكم ."

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم