كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة النساء من الآية( 103) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

103 - (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ ) أي صلاة القَصر التي سبق ذكرها (فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ ) أي في حال قيامكم وقعودكم وعند اضطِجاعكم ، يعني اُدعوا الله واذكروهُ في هذه الأحوال لكي ينصركم على عدوِّكم (فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ ) من عدوِّكم وذهب الخوف عنكم (فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ ) بكاملها ولا تَقْصِروا فيها (إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا ) أي كتبناها عليكم في القرآن تؤدّونَها بأوقاتِها .

104 - (وَلاَ تَهِنُواْ ) أيّها المسلمون ، أي لا تضعفوا ، "الوهن" هو انحطاط القوى (فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ ) يعني في طلب القوم الّذينَ هم أعداء الله وأعداؤكم (إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ ) مِمّا ينالكم من الجراح والأذَى (فَإِنَّهُمْ) أي المشركين (يَأْلَمُونَ) أيضاً مِمّا ينالهم منكم (كَمَا تَأْلَمونَ ) أنتم (وَتَرْجُونَ) أيّها المسلمون (مِنَ اللّهِ ) الظفَر عاجلاً والثواب آجِلاً على ما ينالكم منهم (مَا لاَ يَرْجُونَ ) هم على ما ينالهم منكم فأنتم أولَى بالصبر والثبات على قتالهم (وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا ) بِمصالح خلقه (حَكِيمًا) في تدبير شؤونهم .

105 - نزلت هذه الآية في بني اُبيرق وكانوا ثلاثة إخوة وهم بشر وبشير ومبشّر ، وكان بشير يُكنّى أبا طعمة وكان يقول الشعر يهجو به أصحاب النبيّ ثمّ يقول قاله فلان وكانوا أهل حاجة في الجاهلية والإسلام ، فنقب أبو طعمة عُلّية رفاعة بن زيد وسرق منه درعين ، فشكى ذلك إلى ابن أخيه قتادة بن النعمان وكان قتادة بدرياً فتجسّسا في الدار وسألا أهل الدار فقال بنو اُبيرق "ما صاحبكم إلاّ لبيد بن سهل" - اتّهموه بالسرقة وهم السارقون - فأصلت عليهم لبيد سيفهُ وخرج إليهم وقال "يا بني اُبيرق أترمونني بالسرقة وأنتم أولى بِها منّي وأنتم مُنافقون تهجون رسول الله وتنسبون ذلك إلى قريش ؟ لتبيّننّ ذلك أو لأضعنّ سيفي فيكم" ، فدارَوه، وأتى قتادة رسول الله فقال "يا رسول الله إنّ أهل بيت منّا أهل بيت سوء عدَوا على عمّي فخرقوا عُلّيةً لهُ11 من ظهرها وسرقوا منهُ درعين ." فقال رسول الله : "أنظر في شأنكم ." فلمّا سمع بِذلك رجل من بطنهم ، يعني من بني اُبيرق السارقين واسمهُ اُسيد بن عروة جمع رجالاً من أهل الدار ثمّ انطلق إلى رسول الله فقال "إنّ قتادة بن النعمان وعمّه المسروق منه عمَدا إلى أهل بيتٍ منّا لهم حسب ونسب وصلاح وأنّبوهم بالقبيح وقالا لهم ما لا ينبغي" ، وانصرفوا . فلَمّا أتى قتادة إلى رسول الله بعد ذلك ليكلّمهُ جبههُ رسول الله وقال "عمَدتَ إلى أهل بيت حسب ونسب تأنّبهم بالقبيح وتقول لهم ما لا ينبغي ." فقام قتادة من عند النبيّ ورجع إلى عمّه رفاعة وقال "يا ليتني متّ ولم أكن كلّمتُ رسول الله فقد قال لي ما كرهتُ " . فقال عمّه "الله المستعان". وكان أبو طعمة طرح الدرعين في منزل يهودي ليبرأ منهما ويؤخذ بِهما اليهودي . فنزلت فيهم هذه الآيات ، فبلغ بشيراً ما نزل فيه من القرآن فهرب إلى مكّة وارتدّ كافراً ، ونزل على سلافة بنت سعد . التفسير: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ) يا محمّد (الْكِتَابَ) يعني القرآن (بِالْحَقِّ) أي بأحكام عادلة وقوانين فاصلة (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ ) أي بِما أعلمك الله في كتابه (وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا ) تخاصم وتدافع عن بني اُبيرق .والمعنى : لا تحكم حُكماً غيابيّاً بل أحضر الخصمَين واسمع منهم ما يقولون ثمّ اطلب شهوداً وبيّنة ثمّ احكم بينهم .

106 - (وَاسْتَغْفِرِ اللّهِ ) لِما بدا منك من المخاصَمة عن الخائنين (إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا ) لأوليائه (رَّحِيمًا) بِهم .

107 - (وَلاَ تُجَادِلْ ) في المستقبل (عَنِ الّذينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ) أي يخدعون أنفسهم ، والمعنى : بعضهم يخدع البعض الآخر ، ومثلها في سورة البقرة قوله تعالى {عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } ، يعني تخدعون نساءكم فتجامعوهنّ في ليالي شهر رمضان (إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ) كثير الآثام كأبي طعمة ومن نهجَ نهجَه .

108 - (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ ) أي يكتمون أعمالهم عن الناس (وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ ) لأنّهُ يراهم مهما تستّروا (وَهُوَ مَعَهُمْ ) لأنّه يراهم ويسمعهم وملائكته يكتبون أعمالهم (إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ ) أي يدبّرون باللّيل قولاً لا يرضاهُ الله لأنّ قولهم مكرٌ وخديعة ، فخدعوا النبيّ بقولهم حتّى صار يجادل عنهم (وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ) أي حفيظاً لأعمالهم لا يفوته شيءٌ منها .

109 - (هَا أَنتُمْ) خطاب للمدافعين عن السارق وجماعتهِ وهم اُسيد بن عروة والرجال الّذينَ جاؤوا معه إلى النبيّ (هَـؤُلاء) الّذينَ خُنتم ضمائركم وكذبتم على النبيّ بِشهادتكم وتزكيتكم لبني اُبيرق (جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ ) أي خاصمتم ودافعتم (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) أي لا مُجادلَ عنهم ولا شاهدَ على براءتهم في ذلك اليوم (أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ) أي مَن يحفظهم ويتولّى معونتهم ويدافع عنهم في ذلك اليوم؟

110 - ثمّ بيّنَ تعالى طريق التلافي والتوبة مِمّا سبق منهم من المعصية فقال (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا ) أي إساءة إلى الناس ، ومن ذلك قوله تعالى في سورة آل عمران {فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ } ، وقوله (أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ) بارتكاب معصية إذا وقعت سهواً منه أو جهالةً ، وتقديره : ومن يعمل سوءاً إلى أحد من الناس فيظلمه بذلك أو يظلم نفسهُ بارتكاب معصية (ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ ) ويتوب إليه فلا يعود بعدها إلى معصية (يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا ) لذنبه (رَّحِيمًا) به .

111 - (وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ ) أي يجلب العار والإهانة لنفسه في الدنيا والعقاب في الآخرة (وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا ) بعواقب الاُمور (حَكِيمًا) ومن حِكمتهِ نهاكم عن المعاصي واقتراف الذنوب شفقةً عليكم ورحمةً بكم .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم