كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة النساء من الآية( 27) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

27 - (وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ) لِما صدرَ منكم من أمر الأسيرات قبل نزول هذهِ الآية ، (وَيُرِيدُ الّذينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا ) يعني أن تميلوا إلى نكاح الأسيرات دون عِدّة فيكون ذلك ميلاً عظيماً من الحقّ إلى الباطل . وذلك لَمّا جيء بسبايا أوطاس قال بعض المنافقين : "إنكحوا من شئتم منهنّ" ، فقال المؤمنون : "لا نفعل حتّى نستشير رسول الله"، فلمّا استشاروهُ في نكاحهنّ أمرَ منادياً فنادَى : "ألا لا يُباح نكاح الحُبالَى حتّى يضعنَ حَملهنّ ولا غير الحُبالَى حتّى يستبرئنَ بحيضة" .

28 - (يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ) الحكم في نكاح الأسيرات بأن جعل العِدّةَ شهراً واحداً لغير الحامل (وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ) للإرادة بقِلّةِ صبرِه ، يعني إذا رأى إمرأة جميلة وأحبّها لا يصبر عليها حتّى تنتهي عِدّتها .

29 - (يَا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ) أي لا يأخذْ بعضكم أموال بعض بدون استحقاق ، وذلك كالرشوة والقمار والربا وغير ذلك من اغتصاب أموال الناس (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً ) أي مُبايعة (عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ) أي تجارة صادرة عن تراضٍ منكم (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ) لسببٍ من الأسباب ، لأنّ بعض الناس ينتحر لسبب فقرٍ أصابه أو كربٍ نالهُ أو ضيقٍ ابتلاه أو شدّةٍ وقع فيها ، فإن أصابك كرب أو شِدّة فلا تقتل نفسك بل اسأل من الله أن يفرّج عنك كربك ويزيل همّك واصبر قليلاً فإنّ الله تعالى سيفرّج عنك كربك ويزيل همّك ويشرح صدرك ، فقد قال الله تعالى في سورة الشرح {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا } وقيل في المثل : الصبرُ مفتاح الفرج ، وفي ذلك قال الشاعر : تَصَبّرْ لِلْعَواقِبِ واحْتَسِبْها فأنتَ مِن العواقِبِ في اثنتَينِ تُرِيحُكَ بالْمُنَى أو بالْمَنَايا فإنّ الموتَ إحدَى الراحتَينِ (إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) فلا يُريد أن يديم عليكم العسر بل يريد أن يمتحنكم بذلك فيرى هل تصبرون أم تكفرون .فالصبرُ يكسبكم خبرة وتجارب في الحياة الدنيوية وعاقبةً حسنة ، وأجراً وثواباً في الآخرة .

30 - (وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ) فيأكل أموال الناس (عُدْوَانًا) أي تجاوزاً لحدود الله ، وذلك كالنهب والسلب والسرقة (وَظُلْمًا) وذلك كالرشوة والربا وإنكار الأمانة والانتحار وغير ذلك (فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ) يَصلَى بِها يوم القيامة (وَكَانَ ذَلِكَ ) العذاب في النار (عَلَى اللّهِ يَسِيرًا ) أي هيّناً لا يمنعه منه مانع ولا يدفعه عنه دافع . إعلم أنّ الدنيا مدرسة للإنسان فالحوادث والمصائب تكسب الإنسان خبرة ومعلومات فيزداد عقله تدريجياً فيصبح عالِماً بالاُمور ، وفي ذلك قال الشاعر : جَزَى اللهُ الشَّدَائِدَ كُلَّ خَيْرٍ عَرَفْتُ بِهَا عَدُوِّي مِنْ صَدِيقِي وقال الآخر : مَواعِظُ الدّهــــــرِ أدّبَتنِي وإنّما يُوعَـظُ الأدِيبُ لم يمضِ بُؤسٌ ولا نَعيمٌ إلاّ ولِي مِنهما نصيبُ ولو كُشِفَ الغطاء عن الإنسان لعَلِمَ أن ليس في الدنيا مُصيبة حتّى الموت ، وإليك مثَلاً في ذلك : إنّ أعزّ الأشياء على الإنسان في الدنيا إبنهُ الصغير إذا كان عمره بضع سنوات لأنّه يأنس بهِ ويُلاعبهُ ، فإذا مات هذا الولد فموته أكبر مصيبة على والديهِ ، وفي ذلك قيل : "موت الولد صدعٌ في الكبد لا ينجبر إلى الأبد" . فلو كُشِفَ الغطاء عن بصر والدهِ وعَلِمَ عِلْمَ اليقين لرأى أنّ موتَ ابنهِ الصغير كان نِعمة من الله عليه وليست نِقمة . ولعلّك أنكرت عليّ ايّها القارئ الكريم قولي هذا فتقول : كيف يكون موت الولد نِعمة ؟ أقول لك إنّ الإنسان لا يموت بل ينتقل بموته من عالم مادّي إلى عالم أثيري ، وبعبارة اُخرى من عالم الأجسام إلى عالم النفوس ، وأرواح الأطفال لا تكبر بل تبقى على ما كانت عليه حين انفصالها عن الجسم ، فالإنسان لا يتناسل في عالم الأثير ولا يكون له أولاد إلاّ من مات وهو طفلٌ صغير ، فإذا مات أبوهُ وجد ابنهُ هناك فيفرح به ويبقى الولد عند أبويهِ يأنسان بهِ ويُلاعبانه في عالم النفوس ، فحينئذٍ يعلمان علم اليقين بأنّ موت ابنهما وهو طفل صغير كان نِعمةً من الله عليهما إذ لو لم يمت لَما كان لهما طفل في عالم النفوس يأنسان بهِ ، فحينئذٍ يشكران الله على موت ابنهما في سنّ الطفولة . وهكذا كلّ المصائب لو صبرنا عليها لوجدناها في العاقبة نِعمة وليست نقمة . فهوّن عليك الاُمور ولا تحزن لِما فاتك ولا تفرح بِما آتاك .

31 - لَمّا نزل قوله تعالى في سورة الزمر {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } ، قال بعض الصحابة يا رسول الله أيغفر الله الكبائر والصغائر؟ فنزلت هذهِ الآية (إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ) ، والمعنى : إن تجتنبوا الكبائر نكفّر عنكم الصغائر منها إن تُبتم ، يعني إنْ تبتم عن ذنبٍ صغير نقبلْ توبتكم ونغفرْهُ لكم ، وإنْ تبتم عن ذنبٍ كبير فلا نغفره لكم حتّى يقام عليكم الحدّ إن كان فيه حدّ وترجعوا أموال الناس وحقوقهم إن كنتم اغتصبتم حقوقهم ثمّ تتوبون فحينئذٍ نغفر لكم . فالسارق يجب عليه أن يُعيد المال الذي سرقه إلى صاحبه ثمّ يتوب ، وعاقّ الوالدين يجب عليه أن يُرضي أبويه ثمّ يتوب ، وقاتل النفس يجب عليه أن يدفع ديتها ثمّ يتوب ، والذي يرمي الْمُحصنة بالفحشاء7 يجب عليه أن يطلب رضاها فيدفع لها الأموال أو يعمل معها معروفاً حتّى ترضى عليه وتغفر له زلّته ثمّ يتوب ، وشاهد الزور يجب عليه أن يعترف بالحقيقة أمام القاضي ثمّ يتوب ، وهكذا يجب على من ارتكب ذنباً من الكبائر أن يؤدّي حقوق الناس التي اغتصبها ثمّ يتوب فتُقبل توبتهُ ويُغفر ذنبهُ وإلاّ فلا . والكبائر كلّ ذنب يُقام عليه الحدّ ، أو اغتصاب حقّ من حقوق الناس ، وأعظم الكبائر هو الإشراك بالله ، ومن الكبائر قتل النفس المؤمنة وأكل الربا وأكل مال اليتيم وقذف الْمُحصنة بالزِنا وعقوق الوالدين والفرار من الحرب في قتال الكافرين والمشركين والملحدين ، والزِنا بامرأةٍ ذات زوج ، ومنع المرأة من الزواج ، والفتنة بين صديقين مؤمنين حتّى تكون بينهما عداوة ، وإيقاع الْمُحصَنة بالزِنا وغير ذلك من الذنوب (وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا ) اي مكاناً طيباً حسناً وذلك لِمن تجنّب الكبائر وتاب عن الصغائر .

32 - (وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ ) من المال والنساء والأولاد والأنعام ( بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ) يعني ما أعطى بعضكم فضلةً على بعض ، أي زيادة على غيره ، فلا تتمنّوا أن تكون تلك الفضلة لكم لأنّ هذا التمنّي نوع من الحسد (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ ) من تعب أيديهم وعرق جبينهم (وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ) من أعمال أيديهنّ ، فاشتغلوا أنتم واكتسبوا ولا تتمنّوا وأنتم قعود بلا عمل (وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ ) فيعطيكم ولا تتمنّوا مال غيركم (إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ ) من أمور دنياكم (عَلِيمًا) فيرشدكم إلى ما هوَ صلاحٌ لكم . وإلى ذلك أشار عُبيد بن الأبرص بقولهِ : مَنْ يَسْـألِ النَّاسَ يَحْرِمُوهُ وســــائِلُ اللهِ لا يَخـيبُ بِاللهِ يُـدْرَكُ كُـلُّ خَـيْرٍ والقَـوْلُ في بعضِـهِ تَلغـيبُ واللهُ ليسَ لهُ شَــريكٌ عـلاَّمُ مـا أخْفَـتِ القُلُـوبُ وجاء في التوراة في الكلمات العشر [لا تشتهِ امرأةَ قريبكَ ولا حقلهُ ولا عبدهُ ولا أمَتهُ ولا ثورهُ ولا حمارهُ ولا كلّ ما لقريبكَ .]

------------------------------------

47 :أي يتّهمها بالزنا وهي غير زانية فيجب عليه أن يعترف بخطيئته عند من ذكرها عنده بالزنا .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم