كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة النساء من الآية( 49) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

49 - ( أَلَمْ تَرَ ) يا محمّد (إِلَى) النصارى (الّذينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ) من الذنوب ، يعني بعضهم يزكّي بعضاً . من عادات النصارى وتقاليدهم أنّ المذنِب منهم يذهب إلى القِسّ فيعترف بذنبهِ فيغفر له القِسّ ذنبه ويصفح عنه . فأنكر الله تعالى عليهم أعمالهم وسفّهَ عقائدهم فقال (بَلِ اللّهُ يُزَكِّي ) من الذنوب (مَن يَشَاء ) تزكيته ، وليست التزكية بيد القسّيسين ، فسيعذّبهم الله في الآخرة على قدر أفعالهم (وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ) أي قدر حبّة الفتيل . ويسمّى حبّ العرفط أيضاً ، ويُضرَب هذا المثَل لقلّة الشيء ، ومن ذلك قول النابغة الذبياني : يجمعُ الجيشَ ذا الألوف ويغزو ثمّ لا يرزأ العدوَّ فتيلا يعني لا يُصيب من العدوّ شيئاً مع كثرة جيشهِ .

50 - وقال القِسّيسون إنّ الله أذِنَ لنا أن نزكّي الْمُذنبين ، فردّ الله عليهم قولهم فقال تعالى : (انظُرْ) يا محمّد (كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ ) بقولهم هذا (وَكَفَى بِهِ ) أي بكذبهم (إِثْمًا مُّبِينًا ) أي إثماً بيّناً واضحاً .

51 - سأل أبو سفيان نفراً من اليهود : "ما تقولون في محمّد هل هو مجنون أو عالم ؟" قالوا : بل عالم دارس ، قال : "هو أعلم أم علماؤكم ؟" قالوا : بل علماؤنا وخاصةً منهم الكاهن حي بن أخطب وكعب بن الأشرف ، قال : "ودينه حقّ أم دينكم؟" قالوا : بل ديننا ، قال : "وقرآنه من عنده أم وحي من السماء ؟" قالوا : لو كان وحياً لنزل علينا فنحن أحقّ بالوحي منه ولو كانت نبوّة لكانت فينا . فنزلت هذهِ الآية (أَلَمْ تَرَ ) يا محمّد (إِلَى) اليهود (الّذينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ ) يعني حصّة من الكتب السماوية وهي التوراة (يُؤْمِنُونَ بِ) علمائهم ويقلّدونهم ولو كانوا على ضلال ومع ذلك يقدّسونهم وخاصةً منهم (الْجِبْتِ) يعني الكاهن ، ويريد به حي بن أخطب (وَالطَّاغُوتِ) كناية عن كلّ شخص طاغٍ متكبّر ، ويريد بالطاغوت كعب بن الأشرف (وَيَقُولُونَ) يعني اليهود يقولون (لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ) يعني أبا سفيان وأصحابه لَمّا سألوهم هل محمّد أعلم أم علماؤكم ، فأجابوا (هَؤُلاءِ) إشارة إلى علمائهم (أَهْدَى مِنَ الّذينَ آمَنُواْ ) يعني من محمّد وأصحابه (سَبِيلاً) أي طريقاً إلى الصواب وأكثر علماً .

52 - فردّ الله عليهم قولهم وكذّبهم ولعنهم فقال تعالى (أُوْلَـئِكَ) إشارة إلى حي بن أخطب وكعب بن الأشرف ومن تبعهم (الّذينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ ) أي أبعدهم الله عن رحمته وجعلهم مِمّن يستحقّون العذاب (وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ ) أي ومن يَلعنْهُ الله (فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ) ينصره ويخلّصه من عذاب الله

53 - ثمّ بيّنَ سُبحانهُ بخل اليهود وحسدهم لرسول الله فقال (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ ) وهنا تقدير محذوف وهو : هل الأرض ومن عليها مُلكهم فيتصرّفون فيها كما يشاؤون فيريدون أن ينزل الوحي عليهم ولا ينزل على غيرهم أم لهم نصيب معنا في الْمُلك ، أي حصّة من الْمُلك فيعترضون علينا بنزول الوحي على محمّد؟ (فَ) لو كان الملك بأيديهم (إِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا ) يعني لا يُعطون العرب من الحبّ قدر ما ينقره الطير ، وهذا مثَل يُضرَب عند العرب في القلّة .

54 - (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ ) أي العرب (عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ ) إذ بعث فيهم رسولاً منهم وآتاهم القرآن (فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ ) لموسى وهو التوراة ، والزبور لداوُد (وَالْحِكْمَةَ) للقمان ، فلم يعملوا بما في توراة موسى ولم يسمعوا لزبور داوُد ولم يتّعظوا بحكمة لُقمان (وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ) أي كثيراً ولكنّ ملوكهم لم يشكروا الله على ما أعطاهم من الملك بل كفروا ودعوا قومهم إلى الإشراك فغيّروا دينهم وبدّلوا شريعتهم وأشركوا بعبادة ربّهم فعبدوا البعل وعشتاروث والشعرى اليمانية وعِجلين من ذهب صنعهما لهم يربُعام . والمعنى : لماذا يحسدون العرب حيث أنزلنا على محمّد القرآن؟ ألم نعطِ بني إسرائيل الكتاب لموسى والزبور لداوُد والحكمة للقمان ولكنّ اليهود لم يستقيموا على شريعة موسى ولم يعملوا بما في توراته بل غيّروا أحكامه وبدّلوا شريعته فأشركوا بالله مراراً وعبدوا الأصنام تكراراً وقتلوا الأنبياء جهاراً فرفضهم الله واختار العرب بدلاً عنهم . والملوك الّذينَ أشركوا من بني إسرائيل هم خمسة عشر ملكاً أوّلهم يربُعام بن ناباط الذي صنع لهم عجلين من ذهب وأمر قومه أن يعبدوهما ، وآخرهم صِدقيّا الذي قتله ملك بابل نبوخذنصر . وأسماؤهم وقصصهم مذكورة في مجموعة التوراة في [سِفر] الملوك الأول والثاني . وقد أنذرهم السيد المسيح بانتقال الوحي منهم إلى اُمّة العرب وذلك في إنجيل متّي في الإصحاح الواحد بعد العشرين قال [ لذلك أقول لكم إنّ ملكوت الله يُنزَعُ منكم ويُعطى لاُمّةٍ تعملُ أثمارهُ ] يعني لاُمّةٍ تقوم بأدائه .

55 - (فَمِنْهُم) يعني من اليهود (مَّنْ آمَنَ بِهِ ) يعني آمنَ بالقرآن ، إشارة إلى قوله تعالى فيما سبق (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ ) ، (وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ ) أي عن القرآن ولم يؤمن بهِ (وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ) لِمن صدّ عنه ولم يؤمن بِه .

56 - (إِنَّ الّذينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا ) أي بالقرآن ولم يُصدّقوا من نزل عليه (سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا ) يُعذّبون فيها (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ) في النار (بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا ) في مُلكهِ ينتقم مِمّن يكفر بآياتهِ ويُكذّب رُسُلهُ (حَكِيمًا) في أعماله وأفعالهِ . إعلم أنّ العذاب في الآخرة يكون للنفوس وليس للأجسام ، لأنّ الأجسام تتبعثر داخل القبور وتبلَى ولا حاجة فيها ، وإنّ الجلود الّتي ذكرها الله تعالى في هذه الآية هي الجلود الأثيريّة ولذلك سمّاها سُبحانهُ جلوداً ولم يُسمّها أبداناً ، والدليل على ذلك قوله تعالى في قصّة فرعون في سورة يونس {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً } . ومِمّا يؤيّد هذا قوله تعالى (كُلَّمَا نَضِجَتْ ) فلو قصدَ الأبدان لقال "كلّما احترقت أبدانهم بدّلناهم ابداناً غيرها" ، لأنّ الأبدان المادّيّة إذا أصابها من نار الدنيا تحترق وتكون فحماً فكيف بنار جهنّم على أنّها لا تحترق بل تنضج ، والنضج أقلّ من الإحتراق فهو الطهي ، ومن ذلك قول امرئ القيس : فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِن بَيْنِ مُنْضِجٍ صَفِيـفَ شِوَاءٍ أَوْ قَدِيرٍ مُعَجَّـلِ الناضج هو المطبوخ الّذي يصلح للأكل ، وفي ذلك قال لبيد : ذا القِدْرَ إنْ نَضَجَتْ وعَجِّـ === ـلْ قَبْلَهُ ما يَشْتَوِينا وقال شبيب : وإنِّي لأُغلِي اللَّحمَ نِيّاً وأنَّني لَمِمَّن يُهِينُ اللَّحمَ وهْوَ نَضِيجُ وإليك مثلاً في ذلك : خذ قِطعة حديد متينة وضعها في مكان رطِب فإنّها تتأكسد ويكون لها قشرة بُنّيّة اللون هي أوكسيد الحديد ، ثمّ ضعها في النار فتزول قشرتها عنها ، ثمّ ضعها في مكان رطب فتتأكسد ثانية وذلك باتّحاد الأوكسجين بالحديد ، ثم ضعها في النار فتزول قشرتها بالنار ، وهكذا تتكرّر العمليّة عدّة مرّات فإنّ الحديد لا يحترق ولكن تأكل النار ما تأكسدَ منهُ ، فكذلك النفوس لا تحترق بالنار لأنّها أثيريّة غير قابلة للاحتراق ولكن تتعذّب بها ويزداد ألمها بسبب تبديل جلودها .

------------------------------------

49 :لأنّ نسل إبراهيم من إسرائيل قد انقرض [أكثره] ولم يبقَ منه [ إلا القليل ] بنصوص التوراة نفسها كما جاء بكتاب ( نهاية اليهودية ) وأراد بالآل الرجال تمييزاً لهم عن الأهل أي النساء . - المراجع .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم