كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة النساء من الآية( 53) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

53 - ثمّ بيّنَ سُبحانهُ بخل اليهود وحسدهم لرسول الله فقال (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ ) وهنا تقدير محذوف وهو : هل الأرض ومن عليها مُلكهم فيتصرّفون فيها كما يشاؤون فيريدون أن ينزل الوحي عليهم ولا ينزل على غيرهم أم لهم نصيب معنا في الْمُلك ، أي حصّة من الْمُلك فيعترضون علينا بنزول الوحي على محمّد؟ (فَ) لو كان الملك بأيديهم (إِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا ) يعني لا يُعطون العرب من الحبّ قدر ما ينقره الطير ، وهذا مثَل يُضرَب عند العرب في القلّة .

54 - (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ ) أي العرب (عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ ) إذ بعث فيهم رسولاً منهم وآتاهم القرآن (فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ ) لموسى وهو التوراة ، والزبور لداوُد (وَالْحِكْمَةَ) للقمان ، فلم يعملوا بما في توراة موسى ولم يسمعوا لزبور داوُد ولم يتّعظوا بحكمة لُقمان (وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ) أي كثيراً ولكنّ ملوكهم لم يشكروا الله على ما أعطاهم من الملك بل كفروا ودعوا قومهم إلى الإشراك فغيّروا دينهم وبدّلوا شريعتهم وأشركوا بعبادة ربّهم فعبدوا البعل وعشتاروث والشعرى اليمانية وعِجلين من ذهب صنعهما لهم يربُعام . والمعنى : لماذا يحسدون العرب حيث أنزلنا على محمّد القرآن؟ ألم نعطِ بني إسرائيل الكتاب لموسى والزبور لداوُد والحكمة للقمان ولكنّ اليهود لم يستقيموا على شريعة موسى ولم يعملوا بما في توراته بل غيّروا أحكامه وبدّلوا شريعته فأشركوا بالله مراراً وعبدوا الأصنام تكراراً وقتلوا الأنبياء جهاراً فرفضهم الله واختار العرب بدلاً عنهم . والملوك الّذينَ أشركوا من بني إسرائيل هم خمسة عشر ملكاً أوّلهم يربُعام بن ناباط الذي صنع لهم عجلين من ذهب وأمر قومه أن يعبدوهما ، وآخرهم صِدقيّا الذي قتله ملك بابل نبوخذنصر . وأسماؤهم وقصصهم مذكورة في مجموعة التوراة في [سِفر] الملوك الأول والثاني . وقد أنذرهم السيد المسيح بانتقال الوحي منهم إلى اُمّة العرب وذلك في إنجيل متّي في الإصحاح الواحد بعد العشرين قال [ لذلك أقول لكم إنّ ملكوت الله يُنزَعُ منكم ويُعطى لاُمّةٍ تعملُ أثمارهُ ] يعني لاُمّةٍ تقوم بأدائه .

55 - (فَمِنْهُم) يعني من اليهود (مَّنْ آمَنَ بِهِ ) يعني آمنَ بالقرآن ، إشارة إلى قوله تعالى فيما سبق (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ ) ، (وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ ) أي عن القرآن ولم يؤمن بهِ (وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ) لِمن صدّ عنه ولم يؤمن بِه .

56 - (إِنَّ الّذينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا ) أي بالقرآن ولم يُصدّقوا من نزل عليه (سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا ) يُعذّبون فيها (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ) في النار (بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا ) في مُلكهِ ينتقم مِمّن يكفر بآياتهِ ويُكذّب رُسُلهُ (حَكِيمًا) في أعماله وأفعالهِ . إعلم أنّ العذاب في الآخرة يكون للنفوس وليس للأجسام ، لأنّ الأجسام تتبعثر داخل القبور وتبلَى ولا حاجة فيها ، وإنّ الجلود الّتي ذكرها الله تعالى في هذه الآية هي الجلود الأثيريّة ولذلك سمّاها سُبحانهُ جلوداً ولم يُسمّها أبداناً ، والدليل على ذلك قوله تعالى في قصّة فرعون في سورة يونس {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً } . ومِمّا يؤيّد هذا قوله تعالى (كُلَّمَا نَضِجَتْ ) فلو قصدَ الأبدان لقال "كلّما احترقت أبدانهم بدّلناهم ابداناً غيرها" ، لأنّ الأبدان المادّيّة إذا أصابها من نار الدنيا تحترق وتكون فحماً فكيف بنار جهنّم على أنّها لا تحترق بل تنضج ، والنضج أقلّ من الإحتراق فهو الطهي ، ومن ذلك قول امرئ القيس : فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِن بَيْنِ مُنْضِجٍ صَفِيـفَ شِوَاءٍ أَوْ قَدِيرٍ مُعَجَّـلِ الناضج هو المطبوخ الّذي يصلح للأكل ، وفي ذلك قال لبيد : ذا القِدْرَ إنْ نَضَجَتْ وعَجِّـ === ـلْ قَبْلَهُ ما يَشْتَوِينا وقال شبيب : وإنِّي لأُغلِي اللَّحمَ نِيّاً وأنَّني لَمِمَّن يُهِينُ اللَّحمَ وهْوَ نَضِيجُ وإليك مثلاً في ذلك : خذ قِطعة حديد متينة وضعها في مكان رطِب فإنّها تتأكسد ويكون لها قشرة بُنّيّة اللون هي أوكسيد الحديد ، ثمّ ضعها في النار فتزول قشرتها عنها ، ثمّ ضعها في مكان رطب فتتأكسد ثانية وذلك باتّحاد الأوكسجين بالحديد ، ثم ضعها في النار فتزول قشرتها بالنار ، وهكذا تتكرّر العمليّة عدّة مرّات فإنّ الحديد لا يحترق ولكن تأكل النار ما تأكسدَ منهُ ، فكذلك النفوس لا تحترق بالنار لأنّها أثيريّة غير قابلة للاحتراق ولكن تتعذّب بها ويزداد ألمها بسبب تبديل جلودها .

57 - (وَالّذينَ آمَنُواْ ) بما أنزل الله على رسولهِ (وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ) أي الأعمال الصالحة (سَنُدْخِلُهُمْ) في الآخرة (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ) لا يخرجون منها (لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ) من الحيض والنفاس ومن جميع الأقذار لأنّها أثيريّة (وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً ) لا تنتقل عليه أشعّة الشمس كما في ظِلّ الدنيا بل هو ثابت على الدوام .

58 - (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ ) يجب (أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ ) لا تميلوا إلى أحد الخصمين في الُحكم (إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ) أي نِعمَ الحُكم الّذي وعظكم بهِ (إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا ) لأقوالكم عند صدور الأحكام والْمُحاكمة (بَصِيرًا) بأحوالكم في الميل إلى الحقّ أو إلى الباطل .

59 - (يَا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ ) فيما أمركم بهِ ونهاكم عنه (وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ ) في إرشاداتهِ وتعاليمهِ (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) يعني ولاة الأمر إن كانوا مسلمين مؤمنين ، لأنّ الخطاب للمؤمنين بقوله (يَا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُواْ ) ، ثمّ قوله (مِنكُمْ) أي من المؤمنين العاملين بأحكام القرآن والدِين (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ) من اُمور دينكم أو دنياكم (فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ ) يعني فراجعوا كتاب الله وهو القرآن إن لم يكن الرسول حاضراً معكم ، أمّا إذا كان رسوله حاضراً فهو يفصل بينكم ، وهذا في زمانه ، أمّا اليوم فقد ذهب الرسول إلى جوار ربّهِ وبقي الكتاب عندنا فيجب أن نردّ تنازعنا إلى كتاب الله ليفصل بيننا ، أمّا الأحاديث الواردة فلا اعتماد عليها لأنّ أكثر الأحاديث مدسوسة ولذلك اختلف المسلمون فصاروا فِرَقاً عديدة ، فكلّ حديث ينطبق مع القرآن نقبلهُ وكلّ حديث لا ينطبق مع القرآن لا نقبله (إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ 10) لأنّ من يؤمن بالله يقبل حُكم القرآن ولا يعترض عليه (ذَلِكَ) الردّ إلى كتاب الله والرضا بحكمهِ (خَيْرٌ) لكم من التنازع والاختلاف فيما بينكم (وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) أي وأحسن عاقبة .

------------------------------------

49 :لأنّ نسل إبراهيم من إسرائيل قد انقرض [أكثره] ولم يبقَ منه [ إلا القليل ] بنصوص التوراة نفسها كما جاء بكتاب ( نهاية اليهودية ) وأراد بالآل الرجال تمييزاً لهم عن الأهل أي النساء . - المراجع .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم