كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة النساء من الآية( 86) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

86 - (وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا ) يعني إذا حيّاك الْمُسلم فقال السلام عليك ، فقل وعليك السلام ورحمة الله (أَوْ رُدُّوهَا ) إن لم تكن احسن منها ، فتقول وعليك السلام ، فالسلام مُستحَب وردّ السلام واجِب (إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ) من الأعمال (حَسِيبًا) أي مُحاسِباً ، يعني مُجازياً .

87 - (اللّهُ لا إِلَـهَ) في الكون (إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ) بعد موتكم في البرزخ وأنتم نفوس أثيريّة (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) ثمّ يفصل بينكم فمنكم إلى الجنّة ومنكم إلى النار (لاَ رَيْبَ فِيهِ ) أي لا شكّ في الجمع ولا شكّ في القيامة وإنّما سُمّيَ يوم القيامة لأنّ الناس يقومون فيه للحساب ، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة المطفّفين {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } ، (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا ) فذلك كائن لا مَحالة .

88 - قدم المدينة نفرٌ من المشركين في تجارة وأشغال دنيوية ، ولَمّا وصلوا المدينة أظهَروا إسلامهم ، ولَمّا قضوا أشغالهم همّوا بالرجوع إلى مكّة ، ولَمّا سألهم المسلمون عن سبب رجوعهم قالوا نذهب إلى أهلنا كي نحمل أثاثنا وأمتعتنا ونرجع إليكم ، ولَمّا أبطأوا اختلف المسلمون في أمرهم فقال بعضهم أنّهم ارتدّوا عن الإسلام ولن يعودوا ، وقال آخرون أنّهم أسلموا ولكن شغلهم أمر فأبطأوا وسيعودون عن قريب ، فنزلت هذه الآية (فَمَا لَكُمْ ) أيّها المسلمون (فِي) أمر (الْمُنَافِقِينَ) صِرتم (فِئَتَيْنِ) فئة تحكم بكفرهم وفئة تحكم بإسلامهم فلو كانوا مسلمين لرجعوا إليكم ولكنّهم كافرون فلا تحكموا بإسلامهم (وَاللّهُ أَرْكَسَهُم ) أي أغرقهم بذنوبهم وغيّهم ، ولا تزال هذه الكلمة مُستعمَلة عند العرب فيقولون "رَكَسَ فلان في الماء" أي نزل فيه فلم يبدُ من جسمهِ شيء ، (بِمَا كَسَبُواْ ) من الظلم والآثام ، أي بسبب ظلمهم للناس وما اقترفوا من آثام (أَتُرِيدُونَ) أيّها المسلمون (أَن تَهْدُواْ ) إلى الإسلام وتدعوا إليه (مَنْ أَضَلَّ اللّهُ ) أي من أضلّه الله بسبب ظُلمهِ (وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ ) أي ومن يضللهُ الله عن طريق الحقّ (فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ) أي طريقاً إلى النجاة والهداية .

89 - (وَدُّواْ) أي تمنّوا هؤلاء الّذينَ اختلَفتم في أمرهم (لَوْ تَكْفُرُونَ ) أنتم أيّها المسلمون (كَمَا كَفَرُواْ ) هم (فَتَكُونُونَ سَوَاءً ) في الكفر (فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ ) يعني أصدقاء وأحبّاء (حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ ) من ديارهم ويرجعوا إليكم ، وتكون هجرتهم (فِي سَبِيلِ اللّهِ ) لا لغايةٍ اُخرى (فَإِن تَوَلَّوْاْ ) عنكم وعن الإيمان بنبيّكم (فَخُذُوهُمْ) بالضرب والأسر (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا ) توالونهُ (وَلاَ نَصِيرًا ) تستنصرون بهِ على أعدائكم .

90 - ثمّ استثنى مِن هؤلاء مَن كان لهُ عهد ومصالحة مع المسلمين أو مع مَن تصالحوا مع المسلمين فقال تعالى (إِلاَّ الّذينَ يَصِلُونَ ) أي لهم صِلةٌ (إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ) أي عهد ومصالحة بالأمان وحقن الدماء فهؤلاء لا تتعرّضوا لهم بأذىً ولا تقتلوهم ماداموا على عهدهم ، ومن جُملة من واثقَ النبيّ هلال بن عويمر السلمي واثقَ عن قومهِ فقال "لا تحيف يا محمّد من أتانا ولا نحيف من أتاكَ" (أَوْ) الّذينَ (جَآؤُوكُمْ) وقد (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ) الحصر على الشيء هو الحصار والإحاطة بهِ والتمكين منه ، ومعنى (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ) يعني حبسوا أسرارهم في صدورهم ، يعني حبسوا أسرارهم في صدورهم ولم يبوحوا بنواياهم ، ومن ذلك قوله تعالى في سورة البقرة {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } ، يعني فإن حاصروكم ومنعوكم ، وقال جرير: وَلَقَد تَسَقَّطَني الوُشاةُ فَصادَفُوا حَصِراً بِسِرِّكِ يا أُمَيمَ ضَنِينَا (أَن يُقَاتِلُونَكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُم ) يعني مُمسِكون عن قتالكم وقتال قومهم ، كبني مُدلج جاء سيّدهم سُراقة بن مسلك وعاهد النبيّ أن لا يُقاتلهُ وأخبرهُ أنّهُ عاهدَ قريشاً أيضاً بأن لا يقاتلهم (وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ) بأن يرفع الخوف من قلوبهم (فَلَقَاتَلُوكُمْ) ولكنّهُ ألقى الرُعبَ في قلوبهم فجاؤوا يُعاهدونكم ويُصالحونكم فيجب عليكم أن تشكروا نِعمة الله عليكم في ذلك (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ ) كما واثقوكم (فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ ) ولم يتعرّضوا لكم بأذىً (وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ ) يعني واستسلموا للمعاهدة ولم ينقضوها (فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ) لأخذَ أموالهم ولا قتلهم فلا تتعرّضوا لهم بشيء من ذلك ماداموا على عهدهم .

91 - (سَتَجِدُونَ) أيّها المسلمون قوماً (آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ ) أي يريدون أن يأخذَوا الأمان لأنفسهم منكم ومن قومهم فإذا جاؤوا إليكم قالوا نحن معكم ضِدّ قومنا ، وإذا رجعوا إلى قومهم قالوا إنّا معكم ضِدّ المسلمين ، ثمّ أخبر الله تعالى عنهم بأنّهم يزدادون كفراً ونفاقاً كلّما رجعوا إلى قومهم وليسوا بمسلمين كما يزعمون فقال (كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا ) والمعنى : كلّما رجعوا إلى قومهم فتنوهم عن دينكم وأرجعوهم إلى الكفر وأغرقوهم في تضليلهم وكذبهم على المسلمين (فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ) يعني فإن لم يعتزلوا قتالكم (وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ ) أي ويستسلموا لأوامركم ويُصالحوكم (وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ ) عن أذاكم (فَخُذُوهُمْ) أسرى (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ ) أي حيث وجدتموهم إن أمكنكم ذلك (وَأُوْلَـئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا ) أي جعلنا لكم سلطة بيّنة عليهم بالنصر .

92 - (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا ) معناه من قتل مسلماً مؤمناً مُتعمّداً فهو ليس بمؤمن بل القاتل كافر وجزاؤهُ جهنّم ، ثمّ استثنى قتل الخطأ فقال تعالى (إِلاَّ خَطَئًا ) يعني إذا وقع القتل خطأً فليس جزاؤهُ جهنّم ولكن عليه تحرير رقبة مؤمنة على وجه الكفّارة ، وذلك قوله تعالى (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ) يعني وعليه أيضاً دية المقتول يُسلّمها إلى أهله وورثتهِ (إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ ) يعني إلاّ أن يتصدّق أولياء المقتول وأهله بالدية على عائلة القاتل ، وذلك إن كان أهل المقتول أغنياء وأهل القاتل فقراء فيستحبّ أن يتصدّقوا عليهم . ثمّ بيّنَ سُبحانهُ حكم المقتول إن كان من قوم كافرين ولكنّه وحده مؤمن فقال (فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ ) دون أهله وعشيرته (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ) أي فعلَى القاتل عِتق رقبة مؤمنة وليس عليه دِيَة ، لأنّ أهل المقتول كافرون والكافر لا يرث المسلم (وَإِن كَانَ ) المقتول (مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ ) أي شروط ومواثيق على تأدية الدِيَة (فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ) يعني فعليه الإثنان الدِيَة وعِتق الرقبة (فَمَن لَّمْ يَجِدْ ) مالاً ليعتق رقبة (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ) يعني فعليه أن يصوم شهرين متتابعين لا يفصل بينهما بإفطار يوم واحد (تَوْبَةً) يتوبها القاتل وكفّارة لهُ عن إثمهِ ومغفرة (مِّنَ اللّهِ ) لخطئه إن سلّم الدِيَة (وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا ) بأفعالكم (حَكِيمًا) فيما يأمركم به وينهاكم عنه .

------------------------------------

50 :ويقابل هذه الآية الكريمة في التوراة "إلهنا يهوه ، يهوه واحد" : "إلهنا ربّ واحد " . – المراجع .

51 :ويلاحَظ هناكيف أنّ الإسلام يربّي الضمير الإنساني فيجعله رقيباً على المخطئ إذ يصوم شهرين متتابعين وهو حرّ طليق . – المراجع .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم