كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة غافر من الآية( 62) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

62 - (ذَلِكُمُ) المنعم عليكم هو (اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ) في الكون (إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) أي فكيف تُصرفون عن الإيمان مع كثرة الأدلة والبراهين ؟

63 - (كَذَلِكَ) أي كما صرفكم رؤساؤكم عن الأيمان كذلك (يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا) قبلكم ، يعني كانت رؤساهم تصرفهم عن الإيمان بالرسل أيضاً وكانوا (بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) أي ينكرون ويكذّبون .

64 - ثمّ عاد سبحانه إلى ذكر الأدلة على وحدانيته فقال (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا) لتسكنوا فيها وتستقروا عليها (وَالسَّمَاء بِنَاءً) ، السماء يريد بها الطبقات الغازية التي فوق الأرض وعددها سبع ، وكلمة "بناء" معناها التراصف الواحدة فوق الأخرى على الترتيب ، والشاهد على ذلك قول حسّان بن ثابت :

بنيتُ عليكَ أبياتاً صِلاباً ..... كأمرِ الوسقِ قفّصَ بالشظاظِ
أي رتّبتُ عليك أبياتاً من الشعر . وقال عنترة :
وَيَبني بِحَدِّ السَيفِ مَجداً مُشَيَّداً ..... عَلى فَلَكِ العَلياءِ فَوقَ الكَواكِبِ
والمعنى جعل تلك الطبقات الغازية التي فوقكم متراصفة الواحدة فوق الأخرى فرفع الغازات الخانقة والسامّة إلى الأعلى بأن جعلها خفيفة الوزن فارتفعت لئلا تضرّ بصحتكم فتختنقوا من استنشاقها ، وجعل الغازات النافعة أقلّ منها وزناً فتكوّن منها الهواء (وَصَوَّرَكُمْ) في الأرحام (فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) يعني جعل صورة بني آدم أحسن من باقي البشر ، وهم الجنس الأسود والأحمر والأصفر ، يعني الزنوج والهنود الحمر والصينيين (وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ) أي من طيّب اللحوم والحبوب والأثمار والأشربة (ذَلِكُمُ) الذي خلق لكم هذه الطيّبات هو (اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) .

65 - (هُوَ الْحَيُّ ) الّذي لا يموت (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ ) أي فاعبدوهُ (مُخْلِصِينَ) في العبادة (لَهُ الدِّينَ ) أي لهُ الطاعة ، ثمّ قولوا (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) .

66 - (قُلْ) لهم يا محمّد (إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ) الملائكة (الّذينَ تَدْعُونَ ) أي تعبدون وتسألون حوائجكم منها (مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي ) بالوحي (وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ ) أي أستسلم (لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) .

67 - (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ) أي خلقَ آدم من تراب (ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ) أي خلَقكم من نطفةٍ هو المني ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة القيامة {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى } ، (ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ) أي قِطعة من الدم جامدة [تشبه في شكلها علقة الناموس ] ، فالدم يُسمّى عند العرب علق ، قال الله تعالى في سورة العلق {خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ } ، وقال عنترة : تَرَكْتُ جُبَيْلَةَ بْنَ أبِي عَدِيٍّ يَبُلُّ ثِيابَهُ عَلَقٌ نَجِيعُ (ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ) بعد طِفل (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ) وهو حال استكمال القوّة (ثُمَّ) يُبقيكم في الدنيا (لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى ) أي يموت (مِن قَبْلُ) الشيخوخة (وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى ) أي وليبلغ كلّ واحد منكم ما قُدِّرَ لهُ من العُمر (وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) بالتجارب والحوادث الّتي تُصيبكم وبالدراسة العِلميّة فيزداد عقلكم .

68 - (هُوَ الَّذِي يُحْيِي) الجماد (وَيُمِيتُ) الأحياء يعني قادر على هذا وذاك (فَإِذَا قَضَى أَمْرًا) أي إذا قرّر تكوين إنسان أو خلق حيوان جديد (فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ) مخلوقاً جديداً (فَيَكُونُ) كما أراد . وقد سبق تفسير مثل هذه الجملة في سورة البقرة وسورة آل عمران .

69 - (أَلَمْ تَرَ) يا محمد (إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ) ويريدون إبطالها (أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ) عن الإيمان .

70 - (الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ) أي بالكتب السماوية (وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا) من دين التوحيد (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) عاقبة تكذيببهم .

71 - ثم أخبر سبحانه عن المشركين الذين ماتوا من قبل فقال تعالى (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ) أي القيود في أعناقهم (وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ) .

72 - (فِي الْحَمِيمِ) وهو الماء الشديد الحرارة . وهذا في البرزخ ، أي في عالم النفوس (ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ) أي يُعذَّبون في نار البراكين .

73 - (ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ) أي قالت الملائكة لهم حين سحبتهم في السلاسل (أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ) مع الله في العبادة فلينجوكم من العذاب .

74 - (مِن دُونِ اللَّهِ) يعني الذين عبدتموهم من دون الله (قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا) أي ضاعوا منا فلم نعلم أين صاروا (بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا) كلمة "شيء" معناها المادة ، فيكون المعنى أنّنا لم نعبد الأصنام والأوثان ذاتها وإنّما جعلناها رمزاً للملائكة ورمزاً للمسيح عيسى بن مريم وإنّما قدّسناها لتشفع لنا عند الله (كَذَ‌ٰلِكَ) يقولون اليوم عبدة القبور ، وكذلك (يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ) الذين كفروا بنعمة الله ولم يشكروا عليها .

75 - (ذَ‌ٰلِكُم) العذاب جزاؤكم (بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ) أي بما كنتم تفرحون للأصنام وقت الأعياد وتقديم القرابين لها ووقت أداء النذور وإيقاد الشموع والبخور وتقديم الهدايا للسدنة ، وبما كنتم تلعبون للأصنام كما تلعب الطفلة بالدمى . ومثلها في المعنى في سورة الزخرف قوله تعالى {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ } . فالمرح هو شدة الفرح من اللعب . ومن ذلك قول الشاعر :

ولايُنسينيَ الحَدَثان عِرضي ..... ولا أُرخي مِن المرَحِ الإزارا
يعني مهما لعبتُ وركضت فلا يرتخي أزاري لأنّي شددته شدة قوية . وكذلك اليوم يفرحون ويمرحون في ليالي مواليد الائمة والمشايخ وينذرون لهم النذور ويبخّرون عند قبورهم البخور ويوقدون الشموع ويقرّبون القرابين وينثرون السّكريات "ملبّس" ويرفعون الرايات ويوزّعون الخبز والخضروات ، تبّاً لهم ولما تمسّكوا به من تقاليد وعادات .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم