كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة فصّلت من الآية( 31) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

31 - (نَحْنُ) كنّا (أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) نحفظكم من الجنّ والشياطين وكنّا نكتب أعمالكم ونُحصي أقوالكم (وَ) اليوم (فِي الْآخِرَةِ ) أيضاً نحنُ أولياؤكم نقودكم إلى الجنّة (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ ) من طعام وشراب وأزواج وغير ذلك (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ) أي ما تطلبون .

32 - (نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ ) . "النُزُل" ما يُعَدّ للضيف ، والمعنى : أعدّ الله لكم هذا النعيم في الجنّة وجعلها منزلاً لكم تنزلون بها وتقيمون فيها إلى الأبد .

33 - وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إلى اللَّهِ )  يعني مِمّن دعا إلى عبادة الله وطاعتهِ ونهاهم عن عبادة الأصنام والأوثان وعبادة الملائكة والأنبياء( والأئمّة وغيرهم (وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) أي من المستسلِمين لأمر الله ولِما جاءت به الرُسُل من عند الله .

34 - ثمّ خاطب رسوله الكريم فقال تعالى (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ) عند الناس في المجازاة (وَلَا السَّيِّئَةُ) عندهم في العقاب إذ بعضهم يقابل السيئة بأسوء منها وبعضهم يقابلهم بمثلها والبعض يعفو (ادْفَعْ) السيئة (بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) أي ادفع السيئة بالحسنة والمعنى إذا عاملك أحد بسيئة فعامله بحسنة ، أو كلّمَكَ بكلمة سيئة فكلِّمْه بكلمة حسنة (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ) أصبح (كَأَنَّهُ وَلِيٌّ) من أوليائك (حَمِيمٌ) من أقربائك .

35 - (وَمَا يُلَقَّاهَا) أي وما يُعطَى هذه السجية ويقابل الإساءة بالإحسان (إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا) على المكاره فتعوّدوا على الصبر ولذلك يقابلون السيئة بالحسنة (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) أي ذو نصيب وافر من العقل والمعرفة .

36 - (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ) يعني يحركك الشيطان بوسوسته ويثير غضبك على قومك (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) منه ، اي قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ) لقولك (الْعَلِيمُ) بما يصيبك من مكروه . وقد سبق تفسير مثل هذه الآية في آخر سورة الأعراف .

37 - (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ) بظلامه (وَالنَّهَارُ) بوضوحه وتعاقبهما المستمر (وَالشَّمْسُ) بحرارتها الدائمة (وَالْقَمَر) بدورانه حول الأرض واتصاله بها ، تلك آيات تدل على خالق خلقهن وعالِم أتقن صُنعهنَّ (لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ) فإنهما من بعض مخلوقاته (وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)101 وإنما قال تعالى لا تسجدوا للشمس ولا للقمر ، لأنّ بعض المشركين كانوا يسجدون لهما ويعبدونها ، وكذلك في عصرنا الحالي بعض الملل يسجدون لهما ومن جملة هولاء اليزيدية . وإنما قال تعالى "خلقهن" على صيغة الجمع وهما إثنان ، فالمعنى لا تسجدوا للشمس التي ترَونها ولا للقمر الذي تَرَونه واسجدوا لله الذي خلق الشموس والأقمار إنْ كنتم إياه تعبدون .

38 - (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا) قومك يا محمد عن السجود ولم ينقادوا لأمر الله (فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ) في السماوات الأثيرية ، يعني الملائكة (يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) يعني على الدوام (وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) أي لايملّون عن التسبيح . ومن ذلك قوله تعالى في سورة البقرة {ولاتسئموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً} ، يعني لا تملّوا .

39 - (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً) أي يابسة متفطرة لا نبت فيها (فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ) أي المطر (اهْتَزَّتْ) أي تحركت التربة بالنبات (وَرَبَتْ) أي زادت تربتها بسبب المياه وامتصاصها لغاز النتروجين الموجود في الهواء وغاز ثاني أوكسيد الكاربون الذي أذابته الأمطار بنزولها (إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا) أي الذي أحيا الأرض بالنبات (لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) . وقد سبق شرح مثل هذه الآية في سورة الروم آية 50 .

40 - (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا) أي ينكرون الحق في آياتنا . فالملحد هو المنكر للشيء المكذّب به (لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا) حين يصيرون في القبر ، يعني حين موتهم لا تختفي نفوسهم عنّا فهم في قبضتنا أينما ذهبوا وأينما اختبؤوا وسيُلقَون في النار (أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا) من العذاب (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يعني فكّروا في العاقبة وانظروا أيهما أحسن : الملحد الذي يُلقى في النار أم المؤمن الذي يأتي آمناً من العذاب (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) لا يخفى عليه شيء من أعمالكم الباطلة ، وهذا تهديد ووعيد لهم بالعذاب .

41 - (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ) أي بالقرآن (لَمَّا جَاءَهُمْ) من عند الله سيندمون (وَإِنَّهُ) أي القرآن (لَكِتَابٌ عَزِيزٌ) عند المؤمنين وإن كفر به المشركون .

42 - (لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ) يعني لا يقدر أحد أن يزيد فيه كلمة واحدة ولا ينقص منه كلمة واحدة في وقت نزوله (وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) أي ولا من بعد ذلك بزمن بعيد فلا يقدر أحد أن يتلاعب في القرآن كما لعبوا في التوراة والإنجيل فزادوا فيها ونقّصوا بأهوائهم (تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) أي مستحقّ للحمد في عباده .

43 - )مَّا يُقَالُ لَكَ) يا محمد (إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ) يعني ما يقول لك المشركون من الجواب على دعوتك لهم إلا ما قيل للرسل من قبلك من التكذيب والسخرية ، فلا تهتم إذا كذبوك ولا تحزن إذا سخروا منك فليس هذا منهم بجديد (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ) للمؤمنين (وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ) للمشركين .

44 - (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ) يعني لقال أهل مكة لولا وُضِّحت آياته بلغة عربية لكي نفهمها ونعرف المراد منها . ثم يقولون (أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ) يعني يقولون الكتاب أعجمي والرسول عربي فكيف نفهم معانيه وكيف يرشدنا الرسول إلى مقاصده ؟102 (قُلْ هُوَ) أي القرآن (لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى) إلى طريق الحق في الدنيا وإلى طريق الجنة في الآخرة (وَشِفَاءٌ) من الأمراض النفسيّة (وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ) أي ثقل وصمم عن قبوله واستماع آياته (وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى) فلا يتدّبرون آياته ولا يصغون إلى كلماته (أُولَـٰئِكَ) المشركون (يُنَادَوْنَ) يوم القيامة (مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ) عنهم . يعني يبقون على الأرض معذّبين إلى يوم القيامة حين يناديهم إسرافيل فيلبُّون دعوته ويصعدون إلى المحشر في الفضاء . أما المؤمنون فيصعدون إلى السماء قبل الكافرين بزمن بعيد وذلك حين وقوف الأرض عن دورتها المحورية . فالمنادي هو إسرافيل يقف في الفضاء وينادي النفوس التي على الأرض لتصعد إليه إلى المحشر للحساب والجزاء، وذلك لأن الأرض تتمزق كما ذكرت قبلاً فتنتشر النفوس في الفضاء كالجراد المنتشر فلا تعلم إلى أين تذهب وإلى أين تتجه ، فإذا سمعت صوت المنادي أقبلت إليه مسرعة . وذلك قوله تعالى في سورة الإسراء { يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً } ، معناه يدعوكم إلى المحشر فتلبّون دعوته وتصعدون إليه . وقال تعالى في سورة ي س {  وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ } يعني إلى الفضاء يصعدون جماعات جماعات . وإنّما خص الكافرين بالمكان البعيد لأنّ المؤمنين يصعدون إلى الجنان مع الملائكة حين تقف الأرض عن دورتها المحورية ، ويبقى عليها الكافرون والمشركون معذّبون إلى يوم القيامة ، فلذلك يكونون بعيدين عن المنادي .

45(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) أي التوراة (فَاخْتُلِفَ فِيهِ) يعني اختلفت بنو اسرائيل في أمر الكتاب وحكمه وخالفوا بعض أحكامه ، فشربوا الخمر وهو محرّم عليهم ، وتركوا غسل الجنابة وقد أُمروا بأدائها ، وأُمروا بترك العمل في السبت فلم يمتثل كثير منهم ، وأكثرهم أشركوا فعبدوا الأصنام والشعرى اليمانية (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ) بتأجيل العذاب عنهم إلى يوم القيامة (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) بنزول الطاعون عليهم فنهلك الكافرين منهم ونبقي الصالحين (وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ) أي من كتابك يا محمد (مُرِيبٍ) أي مخيف ، فيقولون كيف نكذّب محمداً وقدجاء بما جاءت به الرسل من الأديان السماوية ، وكيف نؤمن له ونترك ديننا ودين آبائنا ؟ فهم متردّدون مرتابون في أمرك .

------------------------------------

102 : كلّ لغة من لغات الناس غير لغة العرب تُسمّى عند العرب لغة أعجمية ، فقوله تعالى (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا) يعني لو قرأهُ جبرائيل على محمد - بلُغة عِبريّة كما أنزلنا التوراة على موسى أو بلغةٍ سريانية كما كُتِبَ الإنجيل - لم يفهمه العرب ، إذاً (لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ)

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم