كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة فصّلت من الآية( 45) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

45 - (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ) أي التوراة (فَاخْتُلِفَ فِيهِ ) يعني اختلفت بنو إسرائيل في أمر الكتاب وحُكمهِ وخالفوا بعض أحكامهِ ، فشربوا الخمرَ وهو مُحرّمٌ عليهم ، وتركوا غُسل الجنابة وقد اُمِروا بأدائها ، واُمِروا بترك العمل في السبت فلم يمتثل كثيرٌ منهم ، وأكثرهم أشركوا فعبدوا الأصنام والشِعرى اليمانيّة (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ ) بتأجيل العذاب عنهم إلى يوم القيامة (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) بنزول الطاعون عليهم فنُهلك الكافرين منهم ونُبقي الصالحين (وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ) أي من كتابك يا محمّد (مُرِيبٍ) أي مُخيف ، فيقولون كيف نكذّب محمّداً وقد جاءَ بما جاءت به الرُسُل من الأديان السماويّة ، وكيف نؤمن لهُ ونترك دِيننا ودِين آبائنا ، فهم مُتردّدون مُرتابون في أمرك .

46 - (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ) ثوابهُ (وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ) عقابهُ (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ) فيعذّبهم بغير ذنب .

47 - (إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ) أي ساعة ولادة الإنسان وساعة مماته (وَ) يعلم في النبات (مَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا) اي من أغلفتها . مفردها "كمّامة" وجمعها أكمام وكمّامات ، ويعلم ما تسقط من ورقة أو ثمرة من أغصانها (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ) حيواناً كان أم إنساناً (وَلَا تَضَعُ) حملها (إِلَّا بِعِلْمِهِ) يعني إلّا وهو يعلم بوقت حملها ووقت وضعها (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ) الملك الموكّل بتعذيبهم فيقول (أَيْنَ شُرَكَائِي) يعني أين الذين هم مثلي وكنتم تعبدونهم في الدنيا وتقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله فنادوهم الآن ليشفعوا لكم . فيلتفتون يميناً وشمالاً فلا يرَون أحداً منهم ، حينئذٍ (قَالُوا آذَنَّاكَ) أي أسمعناك صوتنا إذ ننادي ولكن لا مجيب و (مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ) يعني ما منّا أحد يشاهدهم لكي نتوسل بهم ليشفعوا لنا بل فقدناهم. فكلمة "أين شركائي" هي من قول الملك الموكّل بتعذيبهم ، ولذلك خاطبوا الملَك وأجابوه بقولهم "آذنّاك" أي أسمعناك صوتنا ما منا من شهيد . وقد سبق شرح كلمة "شركائي" في سورة النحل والكهف والقصص .

48 - (وَضَلَّ عَنْهُم ) أي ضاعَ منهم (مَّا كَانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ ) يعني ما كانوا يدعونهم شُفعاء فلم يجدوهم ولم يشفعوا لهم (وَظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ ) أي ما لهم مَنجىً من النار .

49 - (لَّا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ) أي لا يملُّ الإنسان من طلب المال مدى حياته فيبقى يشتغل ويتعب ليجمع المال ، فإن أُعطيَ جبلين من ذهب لتمنّى الثالث ، ولا يهتم بآخرته كما هو مهتم بدنياه . ومثلها في المعنى في سورة العاديات قوله تعالى {وإنه لحبِ الخيرِ لشديد} ، وقال تعالى في سورة التكاثر { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ } يعني ألهاكم جمع المال عن آخرتكم .

(وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ) إمتحاناً (فَيَئُوسٌ) من الخير(قَنُوطٌ) من رحمة الله .

50 - (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا) أي خيراً وعافية وغنىً (مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ) أي من بعد فقر أصابه أو مرضٍ ابتلاه أو عدوٍّ أهانه وأذله (لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا) الخير (لِي) لايذهب عني ولا أنفق منه على الفقراء (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ) أي ساعة الموت (قَائِمَةً) عليَّ ، يعني يقول ما أظن أنّي أموت عن قريب بل عمري مديد في الدنيا (وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّي) بعد الموت (إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ) أي الحالة الحسنى والمنزلة الحسنى . يعني هل أجد عنده أحسن مما أنا فيه من النعيم ؟ كلا لا أنفق من مالي ولا أريد أحسن منه في الآخرة . ثم قال تعالى(فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا) من سيئات (وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) أي شديد كثير .

51 - (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ ) عن الدُعاء وعن ذِكرِ ربّهِ (وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ ) أي ابتعدَ عن الدِين والطاعة بنفسهِ (وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ ) أي واسع ، والمعنى : إذا كان الإنسان في شِدّة صارَ يدعو ويُصلّي ويسأل من الله أن يُنجيه من الشِدّة ، فإذا أنقذهُ منها وأصبحَ في رخاء ونِعمة نسِيَ ربّهُ وانشغلَ بالمال واللّهو والطرب ولم يذكر ربّهُ لا بالدُعاء ولا بالصلاة .

52 - (قُلْ أَرَأَيْتُمْ ) أي أبدُوا لي رأيكم في القرآن (إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ) وليس من عندي كما تزعمون (ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ ) من غير أن تسمعوا لهُ وتفكّروا في معانيهِ وفصاحتهِ وبلاغتهِ وإخبارهِ عن المغيّبات ثمّ تحكموا فيهِ فماذا يكون مصيركم في الآخرة عند الله وماذا تجيبون عن ذلك؟ (مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ) أي في اختلاف بعيد عن الحقّ ، يعني لا أحد أضلّ منكم حيث حكمتم ببطلانهِ دونَ أن تفكّروا فيهِ وتتدبّروا آياتهِ .

53 - (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا) الدالة على صدق محمد . يعني في المستقبل يرون الآيات الكونيّة لتكون مصداقاً للقرآن ، لأنّ الناس مختلفون في الأديان والعقائد فمنهم مصدّق بالقرآن ومنهم مكذّب كاليهود والنصارى وغيرهما من الملل ، ولذلك يريهم تلك الآيات ليوقنوا بأنَّ القرآن كلام الله إذا أنجز ما وعد به من تقلبات في الكون . وقوله (فِي الْآفَاقِ) أي في أفاق السماء من خوارق العادات ، وهي التي جاء ذكرها في القرآن والتي تحدث في آخر الزمان من اتّساق القمر ، ثم إنشقاقه إلى نصفين ، ثم انجذابه نحو الشمس ، ووقوف الأرض عن دورتها المحورية ليكون الليل سرمداً في جهة من الأرض ، والنهار سرمداً في الجهة الأخرى ، وتسيير النيازك نحو الشمس ، وسقوط مذنبات على الأرض ، وتبعثر الجبال ، وتبخير المياه التي في الأنهار والبحار المواجهة للشمس . وهذه الآيات التي تكون في الآفاق (وَفِي أَنفُسِهِمْ) أي وآية أخرى تظهر في أنفسهم ، وهو المهدي يأتيهم بما اشتبه عليهم من آيات القرآن التي لم يفهموا معناها ولم يعلموا المقصود منها فكذّبوا بها . فالمهدي يبيّن لهم معناها والمقصود منها لتكون الآيات علميّة وعمليّة ، فآية المهدي علمية ، والآيات التي يرونها في الآفاق عملية تطبيقية ، وذلك ليؤمنوا بها ويوقنوا إذ جاء المُخبرُ به من حوداث كما أخبر الله به في القرآن (حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ) أي القرآن (الْحَقُّ) من عند الله وليس من محمد كما يزعمون ، فحينئذ يؤمنون به ولكن لا ينفعهم إيمانهم . ومما يؤيد هذا قوله تعالى في سورة الأنعام { يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ} . فأوّل آية تظهر في الآفاق من خوارق العادات هي في القمر فيبدأ اتّساقه اولاً ثم انشقاقه فيكون نصفين ثم انجذابه نحو الشمس . وقد شرحتُ هذه الآيات وكيفية وقوعها في آخر الزمان في كتابي المُسمى الكون والقرآن (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ) شاهداً لك يا محمد على صدقك (أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) أي حاضر يسمع ويُبصر .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم