كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الشورى من الآية( 2) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

2 - (ع س ق ) . قلتُ فيما سبق أنّ الحاء معناها حِكمة ، والميم يرمز إلى إسم محمّد ، فيكون المعنى : حِكمة يا محمّد تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم . ثمّ أخذَ سُبحانهُ في وصف رسولهِ بعد أن وصفَ القرآن بأنهُ حِكمة فقال (ع س ق ) العين معناهُ عربي ، والسين معناهُ سيّد ، والقاف معناهُ قرشي ، فيكون المعنى : إنّ محمّداً عربي من جنسكم وسيّد من ساداتكم وقرشي من قبيلتكم فلماذا تأنفون من إطاعته والانقِياد لأمره؟ ثمّ أخذَ سُبحانهُ في خطاب رسولهِ فقال تعالى :

3 - (كَذَ‌ٰلِكَ) أي كما جعلناك سيداً على قريش كذلك (يُوحِي إِلَيْكَ) بالرسالة (وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ) من الرُسُل ، والذي أوحى إليك وإليهم (اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) .

4 - (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ) الغازية من طيور تطير (وَمَا فِي الْأَرْضِ) من دواب تسير وكلها تسبح بحمده (وَهُوَ الْعَلِيُّ) في مكانه (الْعَظِيمُ) في سلطانه .

5 - (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ) الغازية (يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ) أي من فوق الأرض ، لأنّ ذكر الأرض سبق في الآية السابقة ، وإنّما جمع ذكرها بقوله ( مِن فَوْقِهِنَّ ) يعني من فوق الكواكب السيارة لأنها كانت أرضاً واحدة فتمزقت وصارت كواكب سيارة كثيرة ، وكلّ كوكب له طبقات غازية تحيط به ، فإذا تمزقت المجموعة الشمسية فإن الطبقات الغازية تتمزق معها أيضاً وتقديره تكاد السماوات يتفطّرن من عظيم قولهم إذ دعوا للرحمان ولداً . وهم النصارى قالوا المسيح إبن الله . وقال مشركو العرب الملائكة بنات الله. ولفظة ولد تطلق عند العرب على الذكر والأنثى معاً . ومِثل هذه الآية في سورة مريم {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدًا}.

(وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) أي ينزهون الله عن اتخاذ الولد (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ) أي للمؤمنين الموحدين منهم . ومما يؤيد قوله تعالى في سورة المؤمن {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا}.
(أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) للمؤمنين الموحّدين .

6 - (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) يحبونهم ويعبدونهم، وهم النصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أولياء وأرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم (اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ) أعمالهم السيئة فيعاقبهم عليها في الآخرة (وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ) أي على هدايتهم بل أنت نذير وقد أنذرت فاتركهم ولا تكرر عليهم القول .

7 - (وَكَذَ‌ٰلِكَ) أي كما أوحينا إلى الرسل من قبلك بلسان قومهم كذلك (أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) بلسان قومك (لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ) وهي مكة (وَمَنْ حَوْلَهَا) من القرى تنذرهم أيضاً (وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ) أي يوم يموتون ويجتمعون في عالم البرزخ (لَا رَيْبَ فِيهِ) اي لا شك فيه ، لأنّ الموت لا يشك فيه أحد ، أما يوم القيامة فكثير من الناس يشكون فيه . والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة النساء {اللَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ}. يعني يجمعكم في عالم البرزخ إلى أن يأتي يوم القيامة .

ثمّ قال تعالى (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) .

8 - (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) مسلمة (وَلَـٰكِن) بعضهم رحماء موحدون وأكثرهم مشركون ظالمون يظلمون الضعفاء والمساكين ويغصبون حقوقهم فَ(يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ) يعني يُدخل الرحماء في رحمته ، أي في جنته (وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ) يتولّى أمرهم (وَلَا نَصِيرٍ) يدفع العذاب عنهم .

9 - (أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) تقديره هل اتّخذوا الملائكة من دون الله شفعاء ، فالشفاعة لله جميعاً (أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ) لمن والاه (وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ) أي يُعزّ المؤمنين بعد ذلهم وينصرهم على أعدائهم . فالموت هنا كناية عن الذل ، والحياة كناية عن العزّ والغنى ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة الأنعام {أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} يعني كان فقيراً حقيراً فهديناه وأغنيناه .

(وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) من إحياء الموتى وإماتة الأحياء .

10 - (وَ) قل للنصارى (مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ ) أي في المسيح (مِن شَيْءٍ ) في ولادتهِ وموتهِ (فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ) يعني حُكم الاختلاف إلى الله يحكمُ بينكم يوم القيامة ويُعاقبكم على مُخالفتكم للحقّ (ذَلِكُمُ) الحاكم بتعذيبكم هو (اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ) في نشر دين الإسلام (وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) أي وإليهِ المرجع في سؤالي وطلباتي . وممّا يؤيّد هذا قوله تعالى في سورة النساء {وَإِنَّ الّذينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ } يعني الّذينَ اختلفوا في صلب المسيح وموتهِ شاكّين في ذلك فبعضهم قال صُلِب وبعضهم قال لم يُصلَب ، لأنّهم رأوهُ حيّاً بعد ثلاثة أيّام من حادثة الصلب ، فلذلك صاروا في شكٍّ من صلبهِ .

11 - (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) سبق تفسيرها في سورة الزمر في آية 46 ، (جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) أي من جنسكم أزواجاً لتتناسلوا وتتكاثروا (وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ) لها لكي تتناسل وتتكاثر ، (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ) كلمة "ذرء" معناها النشر والتفريق ، ومن ذلك قولهُ تعالى في سورة النحل {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ } يعني ما نشر لكم على الأرض من الزرع مُختلفاً ألوانهُ . وقال تعالى في سورة المؤمنون {وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } يعني فرّقكم في الأرض وإليه تُجمعون يوم القيامة . فقولهُ تعالى (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ) معناهُ يفرّقكم في بطون الزوجات ، الذكور في بطون بعضهنّ والإناث في بطون اُخرى ، يعني بذلك الأجنّة التي يخلقها الله في بُطون الزوجات في بيت الأرحام . وقوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) الكاف من قولهِ "كمثله" كاف التشبيه ، وكلمة "شيء" تخصّ المادّة ، والمعنى : ليس كذاته في المخلوقات الروحانيّة ولا المخلوقات الماديّة (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) .

------------------------------------
الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم