كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الزخرف من الآية( 32) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

32 - (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ ) يعني هم يختارون من شاؤوا للنُبوّة أم نحنُ نختار من وجدناهُ قابلاً للنبوّة قادراً على تحمّل مشاقّها والأذى في سبيلها صادق القول أميناً على الودائع ذا عزيمة لا يفترُ عن عزيمتهِ ؟ ثمّ قال تعالى (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) يعني معاشهم من الزيادة لبعضهم والنقصان لبعضٍ آخر (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ) بالجاه والغِنى وكثرة الأولاد والأصحاب (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ) أي مُسخّراً لهُ بالعمل بالأجرة لكي يتمّ النظام ولا يتعطّل العمل ، وكذلك اخترنا لهم رسولاً منهم يتلو عليهم آيات ربّهم ويُزكّيهم ويُعلّمهم الكتاب والحِكمة ، ثمّ قال تعالى (وَرَحْمَتُ رَبِّكَ ) يا محمّد (خَيْرٌ) لك (مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) من المال ، يعني والّذي اخترناهُ لك من الرسالة خيرٌ لك ممّا جمعوهُ من مال الدنيا ، لأنّ المال يزول والنبوّة باقية لك وباسمك إلى يوم القيامة . وفي ذلك قال الشاعر : رَضِيْنَا قِسْمَةَ الْجَبّارِ فِينا لَنا عِلْمٌ ولِلأَعْداءِ مالُ فَإنَّ المالَ يَفْنَى عَنْ قَرِيبٍ وإنَّ العِلْمَ يَبْقَى لا يَزالُ

33 - (وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ) في الكفر إذا رأوا الكفّار في سعةٍ من الرزق وكثرة المال ورفاهةٍ من العيش فيتّفقون كلّهم على الكفر ويتركون الآخرة لحبِّهم الدنيا (لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ ) أي مصاعد (عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ) أي يصعدون إلى الطوابق العالية .

34 - (وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا ) من الساج (وَسُرُرًا) من العاج ، جمع سرير (عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ) .

35 - (وَزُخْرُفًا) أي زينة ونقوشاً للأبواب والأسرّة وللسُقُف وغيرها (وَإِن كُلُّ ذَلِكَ ) المال والمتاع (لَمَّا) يبعث المهدي نُمتّعهم بهِ (مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) وما لهم في الآخرة من نصيب (وَالْآخِرَةُ) ونعيمها (عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ) . تُستعمَل كلمة " لَمَّا" المشدّدة للمُستقبَل ، ومن ذلك قوله تعالى في سورة ي س {وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ } يعني لَمّا تقوم القيامة . وقال تعالى في سورة هود {وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ } أي لَمّا ينتقلون إلى عالَم النفوس بموتهم يوفّيهم ربّك أعمالهم ، والشاهد على ذلك اللّام من قوله {لَيُوَفِّيَنَّهُمْ} وهو لام العاقبة . لقد اعتنى الناس في هذا الزمن بالبُنيان وغرسوا حولها الجنان ، وشيّدوا القصور ووسّعوا الدور ، وزادوا في أسباب الترف واتّخذوا للراحةِ أنواع الحِرف ، فمن ثلاجات كهربائيّة ، وسخّانات غازيّة ، ومراوح سقفيّة ، وغسّالات اُوتوماتيكيّة ، وآلات ترفيهيّة ، وكراسي بلاستيكيّة ، وقنفات إسفنجيّة ، وسِجّاد كاشانيّة . وقد اتّخذوا سُقُفاً من فضّة كما أخبر بهِ القرآن ، وهيَ المرايا الّتي زادوا في وضعها في السُقوف والجدران 1 ، والمرايا تُصنع من محلول نترات الفضّة . فإنّ الله تعالى قال (سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ ) ولم يقل سقُفاً فضيّة . وإنّ كلّ ذلك لمتاع الحياة الدنيا ، والآخرةُ عند ربّك للمتّقين . وقد رُوِيَ عن النبيّ (ع) أنّه قال : "كيف بكم إذا شيّدتم البُنيان واتّخذتم القيان ..."

36 - (وَمَن يَعْشُ) العشو ضعف النظر ، والمعنى ومن يتعامى (عَن ذِكْرِ الرَّحْمَـٰنِ) يعني عن القرآن الذي هو موعظة من الرحمن (نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا) يغويه ، أي نُهيّء له شيطاناً يغويه بدل الذكر الذي تعامى عنه ولم يستمع إليه . فالمقايضة هي المبادلة شيئاً بشيء (فَهُوَ لَهُ قَرِين) في الدنيا والآخرة . وقد سبق شرح كلمة المقايضة في سورة فصلت في آية 25 عند قوله تعالى {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ }.

37 - (وَإِنَّهُمْ) أي الشياطين (لَيَصُدُّونَهُمْ) أي يصدّون الكافرين (عَنِ السَّبِيلِ) أي عن طريق الحق وعن اتّباع الرسُل (وَيَحْسَبُونَ) أي المشركون (أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) .

38 - (حَتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا) المشرك بعد موته (قَالَ) لقرينه الشيطان (يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ) يعني بعد المشرق والمغرب ، لأنّ المغرب أيضاً يكون مَشرِقا بدوران الأرض حول محورها ، فشروق الشمس ليس له مكان مخصوص (فَبِئْسَ الْقَرِينُ) كنت لي في الدنيا .

39 - فتقول الملائكة للمشركين ولقرنائهم (وَلَن يَنفَعَكُمُ) جدالكم (الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ) الناس في الماضي باغوائكم (أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ) سواءً بسواء .

40 - ثمّ أخذ سبحانه في خطاب رسوله فقال (أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ) ، شبّه المشركين في عدم انتفاعهم بما يسمعونه ويبصرونه من القرآن بالصمَم والعمَى (وَمَن كَانَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) ومعناه فلا يضِقْ صدرك من تكذيبهم لك فإنك لا تقدر على هداية من أضلّه الله بسبب ظلمه للضعفاء من الناس .

41 - (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ) من مكة إلى مدينة يثرب مهاجراً (فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ) في الدنيا قبل الآخرة بالاستدراج والجوع والمرض .

42 - (أَوْ نُرِيَنَّكَ) الهزيمة والفرار (الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ) به ، وهذه إشارة إلى قوله تعالى في سورة القمر {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} ،

(فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ) .

43 - (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ) من ربك (إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) أي على طريق حقٍ دائم ، فلا تلتفت إلى ما يدعونك إليه ولا تسمع لإقوالهم .

44 - (وَإِنَّهُ) أي القرآن (لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ) يا محمد ، اي موعظة لك ولقومك (وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) في الآخرة عن هذه الموعظة والقيام بأدائها . فالأنبياء يُسألون عن تبليغ الرسالة وعن ما أُجيبوا عنها ، والمؤمنون يُسألون سؤال مُحاكمة ، والكافرون يُسألون سؤال توبيخ وتقريع .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم