كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الزخرف من الآية( 54) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

54 - (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ ) أي استخفّ عُقولهم (فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ) .

55 - (فَلَمَّا آسَفُونَا ) يعني فلمّا آسفوا رسولنا ، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة المائدة { فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } أي لا تأسف عليهم ولا تحزن ، والّذي أسِف عليهم هو مؤمن آل فرعون . وقوله (انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ) .

56 - (فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا ) أي مُتقدّمين إلى النار ، ومن ذلك قول النابغة الذبياني : يا دارَ مَيَّةَ بِالعَلْياءِ فالسَّنَدِ أَقْوَتْ وطالَ علَيْها سالِفُ الأبَدِ فقول الشاعر "سالِفُ الأبَدِ" يعني قديم الزمان (وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ ) أي لمن يأتي بعدهم ، يعني يُضرَب بهم المثَل .

57 - (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا) يعني فلّما ضربنا مثلاً بعيسى بن مريم ، وهو قوله تعالى في سورة آل عمران {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } ، (إِذَا قَوْمُكَ) يا محمد (مِنْهُ) أي من المثل (يَصِدُّونَ) وينكرون ، يعني يقولون لا يمكن ذلك ولا يتكّون إنسان بدون أب . لأنّ المشركين قالوا ملائكةٌ نزلت من السماء وحلّت في هذه التماثيل فصارت آلهة . فقال النبي كيف تدخل الملائكة في هذه التماثيل وهي غير مجوّفة ، فقالوا كما نزلت روح المسيح من السماء ودخلت جسم الجنين الذي تكوّن في رحم مريم .

58 - (وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ) يعني أآلهتنا خير لحلول الملائكة أم جسم الجنين الذي حلّت فيه روح المسيح ، فإنّ آلهتنا كبيرة الأحجام تكفي لأنْ تحلّ فيها الملائكة ، ولكن جسم الجنين صغير لا يكفي ولا يسع لأنْ تدخل فيه الروح التي نزلت من السماء ليكون عيسى في بطن مريم . فقال الله تعالى (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا) أي وما ضربوا لك هذا المثَل الّا ليجادلوك ويخاصموك به عن الحق (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) أي مخاصمون مجادلون ثم ردّ الله عليهم قولهم فقال تعالى :

59 - (إِنْ هُوَ) يعني عيسى (إِلَّا عَبْدٌ) من عبادنا (أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ) بالرسالة وبعثناه إلى بني إسرائيل لكي ينذرهم عن عبادة الأوثان ويدعوهم إلى إطاعة الرحمن ، ولم نرسله ليُعبَد من دون الله كما عبدتم الأصنام من دونه (وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ) بأن خلقناه من غير أب . وليست الملائكة آلهة لكي تعبدوها بل هي مخلوقات مثلكم .

60 - (وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم) أي من البشر (مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ) من مضى قبلهم من الملائكة ، أي يكونون خلفاً لهم . وذلك كلّ إنسانٍ مطيع لله ولرسوله يكون في الآخرة من الملائكة ويسكن معهم في الجنان الأثيرية . وكذلك الملائكة كانت من البشر ولَمّا ماتوا انتقلوا إلى الجنان بأعمالهم الصالحة وصاروا ملائكة . والمعنى : لو أطعتم أوامر الله واتّبعتم رُسُله لكنتم ملائكة مثل الذين تعبدونهم ولكنتم خلفاً لهم في الأرض .

61 - (وَإِنَّهُ) أي القرآن (لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ) أي فيه علائم الساعة وشروطها وما يكون فيها من حوادث وتقلبات كونية . والساعة هي القيامة ، والواو من قوله (وإنه) حرف معطوف على قوله تعالى {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } ، وقوله (فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا) أي لا تشكّوا وتجادلوا فيها (وَاتَّبِعُونِ) إلى ما أدعوكم إليه (هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) أي هذا ديني الذي أدعوكم إليه دين عدلٍ يدعو إلى طريق الحق والعدل والتوحيد .

62 - (وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ) عن طريق الحق (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) .

63 - (وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ ) أي بالمعجزات الدالّة على صدقهِ (قَالَ) لهم (قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ ) أي بالموعظة (وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ) من الدِين (فَاتَّقُوا اللَّهَ ) ولا تُشرِكوا بهِ شيئاً (وَأَطِيعُونِ) فيما أدعوكم إليهِ .

64 - (إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ) ولا تُشركوا بهِ شيئاً (هَذَا) الدِين الّذي أدعوكم إليهِ (صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ) أي طريق واضح يوصلكم إلى الجنّة .

65 - ثمّ بيّنَ الله تعالى اختلافهم في المسيح فقال تعالى (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ) يعني إختلف اليهود فيما بينهم في رسالة عيسى فمنهم مُصدّقٌ بهِ منهم مُكذِّب ، واختلف النصارى بعد وفاة عيسى فمنهم من قال هو ابن الله ، ومنهم من قال هو الله ، ومنهم من قال بالثالوث ، ومنهم من قال هو رسول من الله (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا ) بما قالوا في عيسى وغيره من مُغالاة ، وويلٌ لهم (مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ) هو يوم القيامة .

66 - ثمّ توعّد مشركي العرب بالعذاب إن لم يؤمنوا وكذلك النصارى الذين عبدوا المسيح وأمّه فقال تعالى (هَلْ يَنظُرُونَ) يعني هل ينتظرون (إِلَّا السَّاعَةَ ) أي ساعة الموت فحينئذٍ يؤمنون حين لا ينفعهم إيمانهم فيندمون (أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً) أي فَجأةً (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) بوقتها .

67 - (الْأَخِلَّاء) أي الأحباب والأصدقاء (يَوْمَئِذٍ) أي يوم القيامة (بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ) فلا يتعادَون . فحينئذٍ يقول الله تعالى للمتّقين :

68 - (يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ) من تقلّبات الكون (وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ) على فراق الأهل والأولاد .

69 - ثمّ أخذَ سُبحانهُ في وصف المتّقين فقال (الّذينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا ) أي بالمعجزات الّتي جاءت بها الرُسُل وبالكتب السماويّة (وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ) أي مُستسلمين لأمر الله مُنقادين لطاعتهِ ، ثمّ يُقال لهم :

70 - (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ) أي تفرحون وتبتهجون .

71 - (يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ ) مفردها صحيفة ، هي قِصعة كبيرة مُنبسطة تُشبع الخمسة ، جمعها صِحاف ، ومن ذلك قول امرئ القيس : تُدارُ علينا بِالسَّدِيفِ صِحافُنا ويُؤْتَى إلَيْنا بِالعَبِيطِ الْمُثَمّلِ السديف هو الشحم ، والعبيط أرادَ بهِ الشراب لأنّ لونهُ أحمر كالدم ، والمثمّل يعني المسكّر . والمعنى : تأتيهم الخدم بأوانٍ من ذهب يوضع فيها الفواكه والأطعمة (وَأَكْوَابٍ) مُفردها كوب يوضع فيها الأشربة ، ومن ذلك قول الهذلي : فلَمْ يَنْطِقِ الدِّيْكُ حَتَّى مَلأْتُ كُوْبَ الدِّنانِ لَهُ فَاسْتَدارَا (وَفِيهَا) أي في الجنّة (مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ ) من طعام وشراب وغير ذلك (وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ) . توجد في الفم عيون (غُدد) تفرز سوائل فهي مصدر التذوّق واللّذة ، وليس المقصود من ذلك عيون الإنسان الناظرة . ثمّ يقال لهم (وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) أي مُخلّدون في الجنّة إلى الأبد .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم