كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الجاثية من الآية( 29) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

29 - (هَـٰذَا كِتَابُنَا) السماوي ، يعني التوراة والإنجيل والقرآن (يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ) اي بالقول الحق ، وهذا مثل يضرب لوضوح الدليل على الشيء فيقال "يداك تنطق بجريمتك، ورجلك تشهد عليك بما فعلت" والمعنى أنّ ما في الكتب السماوية من وصايا بنبذ الأصنام وإنذارات عن عبادة الأوثان وتهديد ووعيد لمن تمسّك بها لهي أدلة كافية وبراهين وافية على منع عبادتها والتمسك بها ، فكأنّ الكتب السماوية تنطق بلسان فصيح فتقول الله واحد لا شريك له ولا تعبدوا غيره ، ولكنّكم بدّلتم وغيّرتم تعاليم الكتب السماوية فعبدتم المخلوقين بدل الخالق وجعلتموهم شفعاء لكم بزعمكم ، ثم تقول لهم الملائكة ( إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) في دار الدنيا ، أي كنّا نكتب أعمالكم نسخة بعد نسخة ، يعني كل يوم نسخة حتى صار كتاباً . والدليل على ذلك قوله تعالى (هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ) ولم يقل "هذا كتابكم" . فكتب الله هي الكُتُب السماوية ، أما كتب الناس فهي كتب أعمالهم كل واحد منهم له كتاب أعماله . وقال الله تعالى في سورة الحاقة {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ } .

فحينئذٍ يسأل الله موسى صاحب التوراة فيقول له : أأنت قلت لبني إسرائيل أُعبدوا البعليم وعشتاروت والشعرى اليمانية ؟ فيقول : سبحانك ياربّ ما قلت لهم الا ما أمرتني به أن أعبدوا الله ربي وربكم وقد أخذتُ عليهم العهود والمواثيق على أن لا يعبدوا غيرك ولا يشركوا بك شيئاً فلا يعبدوا بقراً ولا حجراً ولا نجماً ولا شجراً، ولكنهم غيّروا دينهم بعدي وأشركوا وأنت أعلم بهم منّي.
ثم يسأل عيسى صاحب الإنجيل فيقول : ياعيسىى بن مريم أأنت قلت للناس اتّخذوني وأميَ إلاهين من دون الله ؟ فيقول : سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ما قلتُ لهم إلا ما أمرتني به أن أعبدوا الله ربي وربكم . فيقول الله تعالى : أأنت قلت لهم إنّي إبن الله ؟ فيقول : سبحانك ما قلت لهم ذلك ولكنهم نسبوه لي بهتاناً وزوراً ، فقد أكثرت لهم من قولي إني إبن الإنسان كي لا يقولوا إبن الله وأنت بكل شيء عليم .
ثم يسأل محمداً صاحب القرآن فيقول الله تعالى : يا محمد أأنت قلت للناس اعبدوا أئمتكم وقدّسوا قبورهم واسألوا حوائجكم منهم واستعينوا بهم عند قيامكم وقعودكم وانذروا لهم واحلفوا بهم واجعلوا أولادكم عبيداً لهم ؟ فيقول : سبحانك ياربّ ما قلتُ لهم إلّا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربّي وربّكم ولا تشركوا به شيئاً ، ولكنّ هؤلاء بدّلوا دينهم بعدي وصاروا فرقاً عديدة وأنت أعلم بهم مني . فيقول الله تعالى : هذا يومُ ينفع الصادقين صدقهم لهم مغفرة وأجرٌ كريم .

30 - (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ) أي في جنّته (ذَ‌ٰلِكَ) الدخول (هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ) .

31 - (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) يُقال لهم (أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ) أصلها ألم تكن ، والفاء للتفكير ، والمعنى ألم تكن أياتي تقرأ عليكم فلماذا لم تفكروا فيها وتدرسوها لكي تصيبوا الحقيقة وتنجوا من العذاب ؟ (فَاسْتَكْبَرْتُمْ) عن قبولها والاستماع لها (وَكُنتُمْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ) إذ كذّبتم الرُسُل وآذيتموهم .

32 - (وَإِذَا قِيلَ) لكم (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ) بالعقاب والثواب (حَقٌّ) لا خلاف فيه (وَالسَّاعَةُ) آتية (لَا رَيْبَ فِيهَا) أي لا شك في وقوعها (قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ) . هذا إنكار منهم لحدوث القيامة والحساب (إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ) من حدوثها .

33 - (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا) يعني وظهر لهم حينئذٍ أنّ أعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا كانت سيئة وليست حسنة كما كانوا يعتقدون (وَحَاقَ بِهِم) اي وأحاط بهم العذاب (مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) أي بوقوعه يستهزؤون .

وكذلك كان قومي واهل بلدتي "كربلاء" يعملون ، يعملون أعمالاً قد نهى الله عنها لأنها إشراك ويحسبون أنّهم مهتدون ، يضربون رؤوسهم بالسيوف يوم العاشر من شهر محرّم والدماء تسيل على وجوههم وعلى الأكفان التي يلبسونها فتراهم بحالة تشمئزّ منها النفوس ، ولكنّهم يعتقدون أنّ أعمالهم هذه أعمال حسنة وأنّ الحسين بن علي بن أبي طالب يشفع لهم عند الله ويدخلهم الجنّة في الآخرة لأنّهم يعملون هذه الأعمال لأجله لأنه قُتِل مظلوماً . وهذه واحدة من ثلاثين من الأعمال السيئة التي لا يرضى الله بها ولكنهم يعتقدون أنّها أعمال حسنة يتقربون بها إلى الله وإلى محمد رسول الله . ولكن بدا لهم سيئات ما علموا حين موتهم وانتقالهم إلى الآخرة فندموا وتبيّن لهم أنها كانت أعمالاً سيئة وليست حسنة كما كانوا يعتقدون .

34 - (وَقِيلَ) لهم (الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ ) في النار ولا نذكركم بخير (كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا ) فلم تعدّوا لهُ عُدّتهُ (وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ ) ينصرونكم ويُخلّصونكم منها .

35 - (ذَلِكُم) العذاب جزاؤكم (بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ) بالمال والزينة (فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) أي لا تُقبل منهم العُتبى ، يعني لا تُقبل توبتهم والرجوع إلى ما يُرضي الله . وقد سبق شرحها في سورة النحل .

36 - )فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ) الأثيرية مسكن الملائكة (وَرَبِّ الْأَرْضِ) مسكن البشر ، يعني مالك السماوات الأثيرية ومن فيها ، ومالك الأرض ومن عليها ومن جملتها الكواكب السيّارة (رَبِّ الْعَالَمِينَ) يعني يجب عليكم أن تحمدوه على نعمائه .

37 - (وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ) أي العظمة والهيبة (فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ) في ملكه (الْحَكِيمُ) في أفعاله .

تمّ بعون الله تفسير سورة الجاثية ، والحمد لله ربّ العالمين .
============================================

سورة الأحقاف

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة السورة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم