كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأحقاف من الآية( 15) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

15 - ثمّ ذكر سبحانه المهدي في آخر الزمان فقال (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا) لأنها تفقد أطفالها بالموت . ولذلك كرهت الحمل والوضع لأنها تعتقد أن طفلها سيموت بعد سنتين أو ثلاث ، ثم بيّن سبحانه أنّ هذا الطفل يكون حمله وفصاله ثلاثين شهراً (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) لأنّ الحمل تسعة أشهر وفطامه أحدى وعشرين شهراً فيكون المجموع ثلاثين شهراً ، وسبب ذلك لأنّ أمي فطمتني قبل المدّة المقررة بثلاثة أشهر وذلك لأنها حملت بأنثى فجفّ لبنها ، فكان الحمل والفطام ثلاثين شهراً ، ثم قال الله تعالى (حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي) أي ألهمني عملاً أقوم به وغايتي منه (أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ) مني (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ) مما صدر مني من سيئات في زمن شبابي (وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) أي من المستسلمين لأمرك المنقادين لدينك .

16 - (أُولَـٰئِكَ) إشارة إلى الهداة ومن سار على نهجهم (الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا) أي نتقبل إرشاداتهم للناس ودعواهم إلى التوحيد أحسن من أعمالهم لأنفسهم ، يعني أحسن من الواجبات الدينية ، لأنّ صومهم وصلاتهم يكون نفعها خاصاً بهم ، ولكن أرشاداتهم تكون عامة وكذلك نفعها عامّاً . ولذلك قال تعالى ( نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ ) ولم يقل "نتقبل منهم" ، (وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ) أي في جملة أصحاب الجنة (وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) أي كما وعدناهم بأن ندخلهم الجنة نَصدقُهم بما وعدناهم .

وكذلك كان حملُ أُمي بي كرهاً ووضعها كرهاً لأنها أُثكلت بكل مولود ولدته ذكراً كان أم أنثى فلذلك كرهت الحمل لعلمها بأنه يموت إذا بلغ من العمر بضع سنين كما مات من كان قبله من أولادها ، وكذلك كان حملي وفصالي ثلاثين شهراً ، لأن أمّي حملت بعد ولادتي بأنثى فجف لبنها ففطمتني قبل المدة المقررة بثلاثة أشهر ، فكان المجموع ثلاثين شهراً ، ولما بلغتُ مبلغ الرجال هاجرتُ من كربلاء إلى الحلّة "بابل" ولما بلغت الأربعين من عمري دعوتُ الله تعالى قائلاً ربِّ أوزعني عملاً أقوم به لعلي أن أشكر نعمتك التي أنعمت بها علَيّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحاً ترضاه إنّي تبتُ إليك وإني من المسلمين . فأعطاني ربي تفسير القرآن وألهمني معانيه وجعلني هادياً لدينه وداعياً إلى سبيله والحمد لله رب العالمين .

17 - ثمّ أخذ سُبحانهُ في ذمّ المكذِّبين للهُداة فذكرَ من المكذِّبين من كان عاقّاً لوالديهِ في زمن النبيّ فقال (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا ) وهذه كلمة تضجّر 1 وبذلك نسبهُما إلى الجهل (أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ ) من قبري حيّاً واُحاسَب (وَقَدْ خَلَتْ ) أي مضت (الْقُرُونُ مِن قَبْلِي ) ولم يخرج أحدٌ من قبرهِ حيّاً (وَهُمَا) يعني والديهِ (يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ ) أي يسألانه الغوث والتوفيق للإيمان يقولان لهُ (وَيْلَكَ آمِنْ ) بالبعث (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ ) بالبعث والحِساب (حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا ) القول (إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) أي أكاذيبهم الّتي سطّروها في الكتُب ولفّقوها .

18 - (أُوْلَئِكَ) المكذِّبون للرُسُل وللهُداة (الّذينَ حَقَّ ) أي وجبَ (عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ) بالعذاب (فِي أُمَمٍ ) أي مع اُمَم (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ) في النار (إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ) حيث أبدلوا الجنّة بالنار والشرف بالعار .

19 - (وَلِكُلٍّ) من الرسل والانبياء والهداة (دَرَجَاتٌ) في الجنة (مِّمَّا عَمِلُوا) من أعمال حسنة في دار الدنيا (وَلِيُوَفِّيَهُمْ) ربّك (أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) بنقصٍ من الثواب .

20 - (وَيَوْمَ) ممات الناس (يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ) يقال لهم (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ) لغيركم (فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا) اي استمتعتم بالمعاصي والشهوات . وقد قلت فيما سبق أنّ الأثمار لها أرواح كما للأشجار أرواح ، فالفاكهة التي نأكلها في الدنيا تبقى أرواحها في عالم الأثير ، فإنْ كان صاحبها من المؤمنين أتته الملائكة بتلك الفواكه في الآخرة فيأكل منها وإن كان صاحبها من الكافرين صارت تلك الفواكه إرثاً للمؤمنين ، وهذا معنى قوله تعالى (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ) . يعني ذهبت منكم وصارت لغيركم (فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ) أي عذاب الخزي والعار (بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ) أي تخرجون عن طاعة الله .

21 - (وَاذْكُرْ) لهم (أَخَا عَادٍ) يعني النبي هود (إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ) وهي المنطقة الرملية المشرفة على البحر باليمن ، مفردها حُقَف ، ومن ذلك قول امرئ القيس :

كحُقفِ النّقا يمشي الوليدانِ فوقَهُ ..... بِما احتَسَبا مِن لينِ مسٍّ وتِسهالِ
(وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) أي وقد مضت الرُسُل من قبل هود ومن بعده ، قائلاً (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) وحده (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) إن بقيتم على عبادة الأصنام .

22 - (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا) أي لتلفتَنا وتصرفَنا (عَنْ آلِهَتِنَا) يعني عن عبادتها (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا) من العذاب (إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) بأنك رسول .

23 - (قَالَ) هود (إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ) هو يعلم متى يأتيكم العذاب (وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ) إليكم من ربّكم (وَلَـٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ) للعواقب .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم