كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأحقاف من الآية( 17) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

17 - ثمّ أخذ سُبحانهُ في ذمّ المكذِّبين للهُداة فذكرَ من المكذِّبين من كان عاقّاً لوالديهِ في زمن النبيّ فقال (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا ) وهذه كلمة تضجّر 1 وبذلك نسبهُما إلى الجهل (أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ ) من قبري حيّاً واُحاسَب (وَقَدْ خَلَتْ ) أي مضت (الْقُرُونُ مِن قَبْلِي ) ولم يخرج أحدٌ من قبرهِ حيّاً (وَهُمَا) يعني والديهِ (يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ ) أي يسألانه الغوث والتوفيق للإيمان يقولان لهُ (وَيْلَكَ آمِنْ ) بالبعث (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ ) بالبعث والحِساب (حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا ) القول (إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) أي أكاذيبهم الّتي سطّروها في الكتُب ولفّقوها .

18 - (أُوْلَئِكَ) المكذِّبون للرُسُل وللهُداة (الّذينَ حَقَّ ) أي وجبَ (عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ) بالعذاب (فِي أُمَمٍ ) أي مع اُمَم (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ) في النار (إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ) حيث أبدلوا الجنّة بالنار والشرف بالعار .

19 - (وَلِكُلٍّ) من الرسل والانبياء والهداة (دَرَجَاتٌ) في الجنة (مِّمَّا عَمِلُوا) من أعمال حسنة في دار الدنيا (وَلِيُوَفِّيَهُمْ) ربّك (أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) بنقصٍ من الثواب .

20 - (وَيَوْمَ) ممات الناس (يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ) يقال لهم (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ) لغيركم (فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا) اي استمتعتم بالمعاصي والشهوات . وقد قلت فيما سبق أنّ الأثمار لها أرواح كما للأشجار أرواح ، فالفاكهة التي نأكلها في الدنيا تبقى أرواحها في عالم الأثير ، فإنْ كان صاحبها من المؤمنين أتته الملائكة بتلك الفواكه في الآخرة فيأكل منها وإن كان صاحبها من الكافرين صارت تلك الفواكه إرثاً للمؤمنين ، وهذا معنى قوله تعالى (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ) . يعني ذهبت منكم وصارت لغيركم (فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ) أي عذاب الخزي والعار (بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ) أي تخرجون عن طاعة الله .

21 - (وَاذْكُرْ) لهم (أَخَا عَادٍ) يعني النبي هود (إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ) وهي المنطقة الرملية المشرفة على البحر باليمن ، مفردها حُقَف ، ومن ذلك قول امرئ القيس :

كحُقفِ النّقا يمشي الوليدانِ فوقَهُ ..... بِما احتَسَبا مِن لينِ مسٍّ وتِسهالِ
(وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) أي وقد مضت الرُسُل من قبل هود ومن بعده ، قائلاً (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) وحده (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) إن بقيتم على عبادة الأصنام .

22 - (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا) أي لتلفتَنا وتصرفَنا (عَنْ آلِهَتِنَا) يعني عن عبادتها (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا) من العذاب (إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) بأنك رسول .

23 - (قَالَ) هود (إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ) هو يعلم متى يأتيكم العذاب (وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ) إليكم من ربّكم (وَلَـٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ) للعواقب .

24 - (فَلَمَّا رَأَوْهُ) أي رأوا العذاب الذي انذرهم به (عَارِضًا) أي رأوا سحاباً يعرض في ناحية من السماء (مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ) إستبشروا به (قَالُوا هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا) لأنّ المطر كان قد انقطع عنهم بضع سنين ، فقال الملك الموكّل بالعذاب (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) . فالعارض هو السحاب البعيد ، ومن ذلك قول أعشى ميمون :

بَلْ هَلْ تَرَى عَارِضاً قَدْ بِتُّ أَرْمُقُهُ ..... كَأَنَّمَا البَرْقُ فِي حَافَاتِهِ الشُّعَلُ
وقال عنترة يصف الديار :
وَعَفا مَغانِيَها وَأَخلَقَ رَسمَها ..... تَردادُ وَكفِ العارِضِ الهَطّالِ
وقال :
فَجاؤوا عارِضاً بَرْداً وجئْنا ..... حَريقاً في غَريفٍ ذِي ضِرامِ

25 - (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا) فجاءتهم الأعاصير فدمّرتهم وأهلكتهم (فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ) أما القوم فقد هلكوا ، إلا هوداً ومن آمن منهم فقد خرجوا عنهم قبل مجيء العذاب (كَذَ‌ٰلِكَ) أي مثل ما اهلكنا أهل الأحقاف بالأعاصير كذلك (نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) في المستقبل .

26 - (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ) في الأرض (فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ) أي فيما لم نمكنكم فيه من قوة الاجسام وطول العمر وكثرة الأموال (وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً) ليفقهوا بها ولكن أعرضوا عن الحق ولم يسمعوا قول رسولنا (فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ) أي لم تنفعهم حواسهم في كشف الحقيقة واتّباع الرسل بل كانوا يتعامَون عن الحق (إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ) أي ينكرونها ويكذبون بها (وَحَاقَ بِهِ) أي أحاط بهم (مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) من مجيء العذاب .

27 - (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم) يا أهل مكة (مِّنَ الْقُرَىٰ) وهم قوم هود كانوا باليمن وقوم صالح بالحِجر . وقوم لوط بفلسطين بالبحر الميت حالياً (وَصَرَّفْنَا) لهم (الْآيَاتِ) اي بيّنا لهم الأدلة والبراهين على صحة قولنا كما بينا لكم (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) عن غيّهم وكفرهم .

28 - (فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ) معبودوهم (الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ) يعني إتخذوا آلهة غير الله (قُرْبَانًا آلِهَةً) يعني ليقربّوهم إلى الله فيكونوا واسطة بينهم وبين الله بزعمهم . والمعنى لو كانوا هؤلاء آلهة كما يزعمون لنصروا من أهلكناهم من قبل . وكلمة "لا" من قوله "لولا" نافية، والمعنى لم ينصروهم ولم يشفعوا لهم (بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ) وقت الشدّة ، أي ضاعوا (وَذَ‌ٰلِكَ) القول (إِفْكُهُمْ) أي كذبهم إذ جعلوهم شفعاء وعبدوهم (وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) على الناس من أكاذيب .

تمّ بعون الله تفسير سورة الأحقاف ، والحمد للهِ ربّ العالمين .
====================================================

سورة محمد

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم