كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة محمد من الآية( 17) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

17 - (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا) إلى دين الأسلام بما استمعوا من القرآن (زَادَهُمْ) الله (هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) أي بيّن لهم ما يتقون .

18 - (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ) فليس نتيجة إنتظارهم عن الإيمان إلا الموت ، فالساعة يريد بها ساعة مماتهم (أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً) أي يأتيهم الموت فجأة (فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) أي جاءت علائم الموت ودلائله ، ويفسّره قول الشاعر :

وَإِذَا حَمَلْتَ إِلَى الْقُبُورِ جِنَازَةً ..... فَاعْلَمْ بِأَنَّكَ بَعْدَهَا مَحْمُولُ
(فَأَنَّىٰ لَهُمْ) التوبة (إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ) يعني إذا تذكّروا أفعالهم وجرائمهم بعد موتهم . لأنّ الإنسان إذا مات يتذكّر كل ما فعله في الدنيا من خير أو شر ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة النازعات : " يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى ".

19 - (فَاعْلَمْ) يا محمد (أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا اللَّهُ) فهو القادر على نصرك وإهلاك أعدائك (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ) بالنهار في اعمالكم وشؤونكم (وَمَثْوَاكُمْ) بالليل في مضاجعكم فلا يخفى عليه شيء من ذلك .

20 - أخبر الله تعالى في هذا الآية بأن الذين أسلموا مع النبي كانوا صنفين منهم مؤمنون ومنهم فاسقون فقال تعالى (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ) نؤمر فيها بقتال المشركين لكي نخرج لقتالهم ونتقرب إلى الله بقتالهم ، والمعنى إنّ المؤمنين يسرّهم أن يجاهدوا في سيل الله لكي ينالوا الشهادة وينعموا بالجنة . ولكن المنافقين يكرهون الجهاد ويتخلفون عنه بأعذار تافهة فقال تعالى (فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ) أي واضحة المعنى ليس فيها غموض (وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ) نفسي ، أي شك ونفاق (يَنظُرُونَ إِلَيْكَ) نظرة كاره للقتال (نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) أيّ كما ينظر المستحضر الذي حضرته الوفاة (فَأَوْلَىٰ لَهُمْ) أي القتل في سبيل الله أحسن لهم من الحياة في الدنيا .

21 - (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ) يعني لو يقولون طاعة إذا أمرتهم بشيء ويتكلّمون بكلام حسن لكان خيراً لهم (فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ) يعني إذا حان وقت الجهاد وعزم قائد الجيش على الخروج إلى القتال تبعه المؤمنون وتخلف عنه المنافقون بأعذار تافهة كاذبة (فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ) في قولهم (لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ) عند الله من قعودهم عن القتال . فكلمة أولى لهم ، معناها الموت أحسن لهم من الحياة . ومن ذلك قول الخنساء :

هَمَمْت بِنَفْسِي كُلّ الْهُمُومِ ..... فَأَوْلَى لِنَفْسِي أَوْلَى لَهَا
تعني الأحسن لها أن تموت وترتاح من الأحزان والهموم . وقال زهير :
أولى لهم ثمّ أولى أن تصيبَهم ..... مني بواقرُ لا تُبقي ولا تذرُ

22 - (فَهَلْ عَسَيْتُمْ) يعني فهل أصررتم على النفاق ولازمتم على الكذب والخداع فهلا تتركون هذه العادات السيئة. فكلمة "عسيتم" معناها أصررتم ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة البقرة في آية 246 {قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا} ، يعني هل أصررتم على قولكم فلا تستثنون عنه ؟ ومن ذلك قول الحُطيئة :

وَأَطرَقَ حَتّى قُلتُ قَد ماتَ أَو عَسى ..... وَأَجمَعتُ أَن أَنعاهُ حينَ رَأَيتُهُ
فقول الشاعر مات أو عسى ، يعني أو خمد في مكانه ودام على ما هو عليه . (إِن تَوَلَّيْتُمْ) عن النبي، يعني حين خرجتم من عنده وذهبتم إلى مكان آخر (أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) بالفتنة والكذب على الناس وإغوائهم (وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) يعني وتقطعوا صلة الرحم الذين هم من أرحامكم .

23 - (أُولَـٰئِكَ) الفاسقون (الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ) .

24 - (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) أصلها ألا يتدبرون ؟ والفاء للتفكير، والمعنى ألا يتدبرون كلمات القرآن ويفكّروا فيها فيعلموا أن لا قدرة للإنسان أن يأتي بمثلها لما فيها من فصاحة وبلاغة وإخبار عن الماضي وإنباء عن المستقبل الذي لايعلمه الا الله ، وفيها معلومات عن الكون وعن الحوادث التي وقعت في الماضي والتي تقع في المستقبل ، ومع هذا كله فكلماته متناسقة بعضها يؤيد البعض الآخر ليس فيه اختلاف . ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً (أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) وهنا تقدير محذوف وهو : هل وقعت كلمات القرآن على قلوب من حجر أم على قلوب أقفالها محكمة ؟ أي مقفلة بأقفال محكمة ولذلك لا تعي ولا تفهم . ومن ذلك قول الأعشى :

وَلَيسَ كمَنْ دُونَ مَاعُونِهِ ..... خَوَاتِمُ بُخْلٍ وَأقْفَالُهَا
وقال أيضاً :
أَسهو لِهَمّي وَدائي فَهيَ تُسهِرُني ..... بانَتْ بِقَلبي وَأَمسى عِندَها غَلِقا
يعني أمسى قلبه لا يذكر غيرها . والجواب : كلا لا حجريّة ولا مُقفلة ولكن مُقلدون آبائهم في الدين وللحق كارهون .

25 - (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ) أي أمّلهم بالحياة المديدة وطول العمر ، والتسويل هو طلب الشيء بخضوع وإلحاح من المعطي ، ومن ذلك سميّ الفقير الذي يستعطي رجلاً متسولاً . وقد سبق شرح هذه الكلمة في سورة يوسف في قول يعقوب لبنيه {قال بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً فصبرٌ جميل} .

26 - (ذَ‌ٰلِكَ) التسويل من الشيطان جزاؤهم (بِأَنَّهُمْ) أي بأن المنافقين (قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ) فيهم من ذم ، وهو قوله تعالى فيما تقدّم {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ } . وهم المشركون ، والمعنى أنّ المنافقين قالوا للمشركين (سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ) ولا نطيع محمداً بذلك (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) أي يعلم تتابع أعمالهم السيئة فيخبرك عنها لتأخذ الحذر منهم . وقد سبق شرح كلمة "إسرار" في سورة يونس في آية 54 عند قوله تعالى {وأسرّوا الندامة لَمّا رأوا العذاب} .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم