كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الفتح من الآية( 25) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

25 - (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) يوم الحديبية (وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ) أي وصدوا الهدي أيضاً ، وهي الأنعام التي تذبح في الحج يوم العيد ، وكان النبي قد ساقها معه وكانت سبعين حتى بلغ المكان الذي يسمى ذو الحليفية فقلّد البُدن التي ساقها معه واشعرها وأحرم بالعمرة حتى نزل بالحديبية . فمنعه المشركون ، ثم وقع الصلح بين الطرفين . فلمّا وقع الصلح نحروا الأنعام ، فلذلك قوله تعالى ( مَعْكُوفًا ) أي ممنوعاً أن يسير الى الأمام بل يجب ان يرجع من حيث أتى ، يعني يمنع من دخوله مكة ، لأنّ هدي العمرة لا يذبح إلا في مكة ، كما أن هديَ الحج يذبح في منى (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ) ويريد بذلك المستضعفين الذين كانوا بمكة بين المشركين (لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ) بأعيانهم لاختلاطهم بالمشركين (أَن تَطَئُوهُمْ) بالقتل وتوقعوا بهم (فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ) أي إثم وعيب ، أما الإثم يلحقهم بسبب قتلهم من هو منهم . وأما العيب يلحقهم من المشركين فيقولون قتلوا من تبعهم وآمن بنبيهم ، ويكون ذلك (بِغَيْرِ عِلْمٍ) منكم (لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ) أي في دين الإسلام (مَن يَشَاءُ) أن يُسلم من هؤلاء المشركين بعد الصلح (لَوْ تَزَيَّلُوا) المؤمنون من مكة ، يعني لو تفرّقوا وخلت منهم مكة (لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ) أي من أهل مكة (عَذَابًا أَلِيمًا) وذلك إما بالسيف وإما بنزول الطاعون عليهم فنهلكهم ومعنى لو تزيلوا من مكة وخرجوا منها كي لا يصيبهم العذاب مع المشركين ، وهو من قولهم زالَ يزولُ . إذا مال وذهب ، ومن ذلك قول الخنساء :

أُعيرُهُمُ سمعي إذا ذُكرَ الأسَى ..... وفي القلبِ منهُ زفرة ٌ ما تزايلهْ
 يعني ما تفارقه . وقال جرير :
وَلَقَدْ أرَى المْتَجاوِرِينَ تَزَايلُوا ..... مِنْ غَيرِ ما تِرَةٍ وَغَيرِ تَقَالي
وإنما لم يقل الله تعالى لو زالوا ، لأنّ معناها يكون زوالهم دفعة واحدة ، وأراد بذلك تفرّقهم من جهات مختلفة متعدّدة لئلا يعلم بهم أهل مكة فيلحقوا بهم ويرجعوهم اليها بالضرب والأذى .

26 - (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا) يعني بهم أهل مكة (فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ) أي الأنفة والكبرياء (حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) اي عادات آبائهم في زمن الجاهلية أن لا يذعنوا لإحدٍ ولا ينقادوا له . وذلك أنّ أهل مكة قالوا : "قد قَتلَ محمدٌ وأصحابه آباءنا وإخواننا ، ويدخلون علينا في منازلنا ، فتتحدث العرب أنهم دخلوا علينا رغم أنفنا ، واللّات والعزى لا يدخلون علينا."

وقوله (فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) اي أنزل الطمأنينة عليهم وأزال الخوف عنهم بصلح الحديبية (وَأَلْزَمَهُمْ) أي ألزم المؤمنين (كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ) وهي "طاعة" ، يعني جعلهم مطيعين لرسولهم إذ قال لهم إرجعوا الى المدينة ، بعد أن اعتمروا فانقادوا لأمره وقالوا طاعة ولم يُصِرّوا على دخول مكة (وَكَانُوا) أهل مكة (أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا) أي أحق بكلمة التقوى ، يعني كانوا هم أولى أن يقولوا للنبي طاعة إذا أمرهم بشيء لأنهم أعمامه وأقاربه وأهل بلدته وهو أمينهم وحكيمهم ومن أشرافهم وأهل مشورتهم فكانوا أحقّ من غيرهم بقبول دعوته والانقياد لأمره قبل غيرهم من أهل القرى ومن أهل المدينة (وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) فجعل صلح الحديبية لمصلحة المؤمنين وذلك لتقوى شوكتهم ويظهر أمرهم ويزداد جمعهم .

27 - وكان النبي (ع) رأى في المنام أنه دخل مكة مع أصحابه ليحجّوا ، فقص رؤياه على أصحابه ، فلما مُنِعوا من الحج ووقع الصلح بين الطرفين إعترض بعض المسلمين على النبي وقال ألم تعدنا بدخول مكة للحج فلماذا منعونا من دخولها ؟ فنزلت هذه الآية :

(لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) بعد الحج (لَا تَخَافُونَ) من أعدائكم (فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَ‌ٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا) يعني نصراً قريباً في السنة القادمة . والمعنى : لو دخلتم في هذه السنة إلى مكة لم تدخلوها بأمان وبدون قتال بل لوقع القتال بينكم وبين المشركين وبذلك ينقص عددكم وتكثر جراحاتكم فتدخلوها خائفين من عدوّكم ولكن الله تعالى آلان قلوبهم لينقادوا للصلح ليزداد بذلك عددكم وتقوى شوكتكم ويذهب خوفكم فتدخلون مكة آمنين في السنة القادمة مُحلّقين رؤوسكم ومُقصرين لإتمام الحج وذلك بموجب الشروط التي اتّفقتم عليها فيما بينكم وبين المشركين من أهل مكة .

28 - (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ) محمداً (بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) يعني ليعلوَ دين الإسلام على الأديان كلها ، وذلك في زمن المهدي (وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا) أي شاهداً لك على رسالتك.

29 (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ) أي ذوو بأس على الكافرين (رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) أي فيما بينهم (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا) لكثرة صلاتهم (يَبْتَغُونَ) أي يطلبون (فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) أي ورضاء عنهم (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَ‌ٰلِكَ) أي ذلك المثل الذي وصفناهم به من شدة البأس على الكافرين (مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ) مكتوب ،
(وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ) في النمو والتكاثر والقوة مضروب (كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ) أي فراخه ، وهو ما يتفرع حوله من أصوله (فَآزَرَهُ) أي فقويّ الزرع بفسيله إذ أسنده والتفّ حوله كالأزار فلم يَمِل إلى الأرض . ومن ذلك قول أعشى ميمون :
يضاحكُ الشمسَ منها كوكبٌ شَرِقٌ ..... مؤَزّرٌ بعميمِ النبتِ مُكتَهِلُ
وقال امرؤ القيس :
بِمَحْنِيَّةٍ قد آزَرَ الضَّالَ نَبْتُها ..... مَضَمِّ جُيوشٍ غانِمين وخُيَّبِ
(فَاسْتَغْلَظَ) الزرع ، أي غلُظ ساقه ونما (فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ) جمع ساق ، يعني فقام الزرع على أُصوله وتساوى الصغار مع الكبار في الطول والمتانة (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ) الذين زرعوه ، يعني يعجبهم نموه ومتانته . وهذا مثَلٌ ضربه الله تعالى بمحمد وأصحابه ، فالزرع الأول محمد ، والزارع هو الله تعالى ، والشطأ أصحابه المؤمنون الملتفون حوله ، وكانوا في ضعف وقلة في باديء الأمر كما يكون الزرع نبتهُ في باديء الأمر ثم يقوى وينمو وتُعاضده فسلانه فكذلك المؤمنون قوّى بعضهم بعضاً حتى استغلظوا واستوَوا على أمرهم (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) يعني إنما كثّرهم الله تعالى وقوّاهم ليكونوا غيظاً على الكافرين ، ثم قال تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) يعني من دام على إيمانه وعلى الطاعة (مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) في الآخرة .
وإليك ما جاء في التوراة في وصف قوتهم وبأسهم على الكافرين وذلك في سفر إشعياء في الفصل الخامس قال :
] فيرفع رايةً للأمم من بعيد ويصفر لهم من أقصى الأرض فإذا هم بالعجلة يأتون سريعاً 27 ليس فيهم رازحٌ ولا عاثرٌ. لا ينعسون ولا ينامون ولا تنحلُّ حُزُمُ أحقائهم ولا تنقطعُ سُيُورُ أحذيتهم 28 الذين سهامُهم مسنونة وجميع قسِيّهم ممدودة ، حوافِرُ خيلهم تُحسبُ كالصوان وبكراتهم كالزوبعة 29 لهم زمجرة كاللبوة ويُزمجرون كالشبل ويهرّون ويمسكون الفريسة ويستخلصونها ولا مُنقذٌ 30 يهرّون عليهم في ذلك اليوم كهدير البحر. فإن نُظر إلى الأرض فهو ذا ظلامُ الضيق والنور قد أظلم بِسُحُبها.[
وهو مطبوع بنفقة جمعية التوراة الأمريكية.

] فيرفع راية من بعيد ويصفر لأمة من أقصى الأرض فإذا بها مقبلة بسرعة وخفة، ليس فيها رازح ولا ساقط ولا تنعس ولا تنام ولا تحلّ مناطق أحقائها ولا تفكّ شرك نعالها، سهامُها محدودة وكل قِسيّها مشدودة تحسبُ حوافر خيلها صواناً وعجلاتها إعصاراً، لها زئير كاللبوة وهي تزأر كالأشبال تزمجر وتخطف الفريسة وتستخلصها وليس من ينقذها[.
وهذا في توراة اليسوعيين في سفر إشعياء في الفصل الخامس .
تمّ بعون الله تفسير سورة الفتح ، والحمد لله ربّ العالمين .
==============================================


سورة الحجرات
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) أصلها لا تتقدّموا فحذفت إحدى التائين تسهيلاً للكلام، والمعنى لا تتقدّموا على رسول الله بالسير ولابالكلام ولا بشيء آخر حتى يأذن لكم فيه . أما قوله بين يدي الله ، فمعناه لا تقوموا بعبادة لم تؤمروا بها بل تبتدعونها من أنفسكم ، ولاتعطُوا فتوَى لا تعرفونها حتى تنزل بها آية أو تسألوا النبيّ عنها (وَاتَّقُوا اللَّهَ) في ذلك (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ) لإقوالكم (عَلِيمٌ) بأفعالكم .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم