كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة المائدة من الآية( 2) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

2 - لَمّا فتح النبيّ (ع) مكّة أمر مُناديه فنادَى : "ألا لا يحجّنَّ اليوم مُشرك ولا يطوف بالبيت عريان" . فجاء بعد ذلك أناس من أطراف مكّة لِيحجّوا ويسلموا ، ولكنّهم ساروا على تقاليدهم القديمة ، ولم يعلم المسلمون بنواياهم فتعرّض لهم بعض المسلمين وأخذوا هديهم وقلائدهم ، فعاتبهم الله على ذلك بهذهِ الآية (يَا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ ) أي معالم دينه ، وهي الأمكنة التي يُتعبّد لله فيها ، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة البقرة {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ } ، والمعنى : لا تشغلوا أمكنة العبادة بأمور دنيوية بل اتركوها للمُصلّين والمتعبّدين (وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ ) أي ولا تحلّوا الصيد في الشهر الحرام ، يريد به شهر ذي الحجّة ، ولا يجوز للمسلمين الصيد في الأشهر الحُرُم في أيّ بلدٍ كان ، وهو صيد البرّ دون صيد البحر ، وذلك قوله تعالى في آية 99 [من هذه السورة] {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا } ، وإنّما حرّم الله تعالى صيدها في الأشهُر الحُرُم لئلاّ تنقرض من الوجود . (وَلاَ الْهَدْيَ ) أي لا تأخذوا الهديَ جبراً بدون رضاً من أهله ، و"الهدي" ما يهديه الحاج إلى ربّ البيت من بعير أو بقرة أو شاة يذبحونها يوم العيد (وَلاَ) تحلّوا (الْقَلآئِدَ) أي لا تأخذوها بغير رضاً من أهلها ، وهي أنعام يجعلون في رقبتها قلادة علامة أنّها نذيرة للبيت (وَلا) تحلّوا أناساً (آمِّينَ) أي قاصدين ، والشاهد على ذلك قول حسّان بن ثابت : أَمُّوا بِغَزْوِهِمُ الرَّسُولَ وَأَلَّبُــوا أَهْلَ القُرَى وَبَوَادِيَ الأَعـْرَابِ (الْبَيْتَ الْحَرَامَ ) أي لا يحلّ لكم أخذ أموال اُناس قاصدي البيت للحجّ ، الّذينَ (يَبْتَغُونَ فَضْلاً ) أي يطلبون ثواباً (مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ) منهُ بقصد الحجّ والاستسلام (وَإِذَا حَلَلْتُمْ ) من الإحرام والشهر الحرام (فَاصْطَادُواْ) من بهيمة الأنعام يُباح لكم حينئذٍ (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ) أي ولا يحملكم على الإجرام (شَنَآنُ قَوْمٍ ) أي بُغض قومٍ ، ومن ذلك قول عنترة : تَجافَيْتُ عنْ طَبْعِ اللّئامِ لأنّني أرَى البُخْلَ يُشْنَا والْمَكارِمَ تُطْلَبُ وقال الأعشى : فذا الشّنْءِ فَاشْنَأهُ وذا الوُدِّ فَاجْزِهِ عَلَى وُدِّهِ أو زِدْ عليهِ العَلانِيا وقال كعب بن زُهير يهجو زوجتهُ : يَوْماً طِواعُكَ في القِيادِ وَتارَةً تَلْقاكَ تُنْكِرُها مِنَ الشّنَآنِ (أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) أي حين صدّوكم ، والمعنى : فلا يحملكم البُغض على الإجرام مع هؤلاء لأنّهم منعوكم عن العُمرة في عام الحديبية (أَن تَعْتَدُواْ ) يعني بيّنا لكم وأنذرناكم لئلاّ تعتدوا عليهم في المستقبل بأخذ هديهم وقلائدهم فإنّهم جاؤوا ليُسلموا فتحابّوا (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ) أعمال (الْبرِّ) فيما بينكم (وَالتَّقْوَى) بترك العداوة (وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ ) أي على المعاصي (وَالْعُدْوَانِ) أي التعدّي على الحاج (وَاتَّقُواْ اللّهَ ) ولا تخالفوا أوامرهُ (إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) فخافوا عقابه ولا تعتدوا على حجّاج بيته .

3 - (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) من الأنعام والبهائم وغيرها (وَالْدَّمُ) لأنّهم كانوا في زمن الجاهليّة يأكلون الدم ، فيفصدون البعير ويأكلون دمهُ ، وفي ذلك قال حاتم الطائي لَمّا أمرنهُ النسوة أن يفصد لهنّ البعير : كذلكَ فَصْدِي إنْ سألْتُ مَطِيّتي دَمَ الجوْفِ إذْ كُلُّ الفِصادِ وَخِيمُ (وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ ) أي وما ذُبِح لغير الله من النذور والقرابين فهو حرام لأنّه إشراك ، وذلك ما كان المشركون يذبحونه للأصنام . وقد سبق تفسير "الإهلال" في سورة البقرة . أمّا اليوم فيذبحون الأنعام للمشايخ والأئمة والأنبياء وهذا لا يجوز ذبحهُ ولا أكله ولا توزيع لحمه على الناس فهو حرام كلحم الخنزير ، فالنذر لغير الله لا يجوز ، (وَالْمُنْخَنِقَةُ) وهي التي تربط بحبل ثمّ تسقط من مكانِها وتبقى معلّقة بحبلِها حتّى تموت ، وتوجد طائفة من الناس بالهند يخنقون الشاة ولا يذبحونَها ثمّ يأكلونَها ، وهذا لا يجوز (وَالْمَوْقُوذَةُ) أي المضروبة بعصا أو حجر أو غير ذلك فتموت من تلك الضربة فهي حرام أيضاً ، ومن ذلك قول الفرزدق يصف ناقة:
: شَغّارَةٍ تَقِذُ الفَصِيلَ     بِرِجْلِها فَطّارَةٍ لِقَوادِمِ الأبْكارِ
(وَالْمُتَرَدِّيَةُ) وهي الساقطة من الجبل إلى الوادي فأصابها الردَى يعني أصابها الموت ، أو الساقطة من السطح إلى الدار ، أو الساقطة في البئر أو في حُفرة ، أو دهستها سيّارة أو قطار وماتت يحرم أكلها (وَالنَّطِيحَةُ) وهي التي ينطحها غيرها من الأنعام فتموت يحرم أكلها (وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ ) أو الذئب ، يعني الفريسة التي يفترسها بعض الوحوش الضارية فيأكل بعضها ويترك الباقي فهي حرام أيضاً (إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ) من هذه الأنعام التي سبق ذكرها ، يعني إلاّ ما ذُبِحت قبل الموت فأكلُ لحمها حلال ، أمّا صيد الطيور فيمكنك أن تذكر اسم الله عليها عند إطلاق الطلقة فتقول "باسم الله والله أكبر" ، فإذا أصابت الإطلاقة الطير ومات فاذبحهُ حالاً فهذه تذكيتهُ فحينئذٍ يُباح أكلهُ لأنّ الطلقة تقوم مقام الذبح على شرط أن تذكر اسم الله عليه (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ) فهو حرام أيضاً ، و"النُصُب" هي أحجار كبيرة كان المشركون يذبحون الأنعام عليها قرباناً للأصنام ، والشاهد على ذلك قول الأعشى :
وذا النُّصُبِ الْمَنْصُوبَ لا تَنْسُكَنَّهُ            ولا تَعْبُدِ الأوْثَانَ واللهَ فاعْبُدَا
ومعناه وصاحب النصب المنصوب على الكعبة لا تعبدنّه ، ويريد به هُبلاً . وقال النابغة الذبياني فَلا لَعمرُ الَّذِي مَسَّحتُ كَعْبَتَهُ وَمَـا هُرِيقَ عَلَى الأَنصَابِ مِنْ جَسَـدِ (وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ) أي وحرّم عليكم استقسام الذبيحة بالأزلام ، وهي سِهام يضعون عليها أرقاماً فهذا السهم له حصّة واحدة وذاك له حصّتان والآخر له ثلاث وهكذا كلّ سهم له حصص خاصّة دون غيره وهي لعبة كالقمار ، فكانوا يذبحون بقرة أو شاة ويتقارعون عليها بتلك السهام فتقع الخسارة على رجل منهم فيدفع ثمنها ويقسّمون لحمها بينهم1 (ذَلِكُمْ) إشارة إلى القمار والاستقسام بالأزلام (فِسْقٌ) أي ذلك من أعمال الفَسَقَة الّذينَ يريدون أن ينهبوا أموال أصحابهم بالقمار وهو خروج عن طاعة الله (الْيَوْمَ يَئِسَ الّذينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ ) أن يهدموه ويئسوا من إرجاعكم إلى دينهم ، لأنّهم كانوا يقاتلون ويقاومون المسلمين لِيرجعوهم إلى دينهم ولكنّهم يئِسوا من ذلك لِما رأوا من كثرة المسلمين وقوّتهم وانتصارهم في جميع الأوقات (فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ) أي خافوني ولا تخالفوا أوامري (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) من تحليل وتحريم وأحكام وتشريع (وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ) بأن هديتكم للإسلام وأنزلت إليكم القرآن ونصرتكم على المشركين (وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ ) إلى أكل لحوم هذه المحرّمات وكان (فِي مَخْمَصَةٍ ) أي في مجاعة ، ومن ذلك قول الأعشى
: تَبِيتُونَ فِي الْمَشْتَى مِلَاءً بُطُونُكُمْ        وَجَارَاتُكُمْ غَرْثَى يَبِتْنَ خَمَائِصَا
أي يبتنَ جائعات (غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ) أي غير مائلٍ لإثمٍ ، فالتجانف معناهُ الْمَيْل والمتجانف هو المائل ، ومن ذلك قول أعشى ميمون :
يَسقي دِياراً لَها قَدْ أصْبَحَتْ غَرَضاً       زُوراً تجانفَ عنها القَوْدُ والرَّسَلُ
وقال يمدح ناقته : وزَوْراً تَرَى في مِرْفَقَيْهِ تَجانُفاً نَبِيلاً       كَبَيْتِ الصَّيْدَلانيِّ دامِكا
وقال أيضاً : تَجانَفُ عَنْ جُلّ اليَمَامَة ِ نَاقَتِي      وما قَصَدَتْ مِنْ أهْلِها لِسَوائِكا
وقال الفرزدق يمدح رجلاً : وَأغَنَيتَ مَن لمْ يَغنَ من أبطإ السُّرَى وَقَوّمْتَ دَرْءَ الأزْوَرِ الْمُتَجانِفِ
والمعنى : فمن كان مضطرّاً إلى أكل الميتة وما عدّد الله تحريمه عند المجاعة الشديدة ولم يكن قصده عصيان أمر الله فلا بأس عليه في ذلك (فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ ) للتائبين من المذنبين فكيف بِمن كان من الجائعين (رَّحِيمٌ) بالمساكين .

------------------------------------

58 :ومثال ذلك يستعمل اليوم وخاصّةً في شهر رمضان شهر الطاعة والغفران إذ ترى كثيراً من الشباب يجلسون في المقاهي ويلعبون القمار ( صينية ) فتقع الخسارة على واحد منهم أو جماعة فيشترون البقلاوة ويقسمونها بينهم .

الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم