كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة المائدة من الآية( 35) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

35 - ثمّ وجّه الخطاب للمؤمنين فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ ) فيما أمركم بهِ ونهاكم عنهُ (وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ ) أي اُطلبوا أسباب التقرّب إليهِ ، يعني إلى جنانهِ في السماوات الأثيريّة وذلك بأعمالكم الصالحة والجهاد في سبيلهِ . "فالوسيلة" هي أسباب التقرّب ، والشاهد على ذلك قول عنترة : إنّ الرِّجالَ لَهُمْ إليكِ وَسِيلةٌ أنْ يَأخُذُوكِ تَكَحَّلِي وتَخَضَّبِي يعني يُحاولون أسباب التقرّب إليكِ لأجلِ أن يأخذوكِ ، وجمع وسيلة وسائل ، ومن ذلك قول النابغة الذبياني : نَصَحْتُ بَنِي عَوَفٍ فَلَمْ يَتَقَبَّلوا وَصاتِي ولَمْ تَنْجَحْ لَدَيْهِمْ وسَائِلِي وقال أيضاً : لَقَدْ عالَنِي ما سَرَّها وتَقَطَّعَتْ لِرَوْعاتِها منِّي القِوَى والوَسائِلُ وقال طَرَفة : وأنَّى اهْتدَتْ سَلْمَى وَسائِلَ بَيْنَنَا بَشاشَةُ حُبٍّ باشَرَ القَلْبَ داخِلُهْ يعني كيف اهتدت سلمى إلى أسباب التقرّب بيننا والمسافة بعيدة بيني وبينها . ومِثلها في المعنى في سورة البقرة قوله تعالى {إِذْ تَبَرَّأَ الّذينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الّذينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ } يعني تقطّعت فيهم وسائل النجاة من العذاب . (وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) أي لكي تنجحوا في الدنيا وتفوزوا بنعيم الجنّة في الآخرة .

36 - ثمّ أخذَ سُبحانهُ في ذمّ الكافرين وتهديدهم بالعذاب فقال (إِنَّ الّذينَ كَفَرُواْ ) برسولنا وآياتنا (لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ) أي ما في الكواكب السيّارة بأجمعها من ذهب وفضّة وأموال (وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ ) عن العذاب ولا يبخلوا بهِ ولكن لا يُقبل منهم الفداء وإن افتدَوا بهِ ولا يُخفّفُ عنهم ، وذلك قوله تعالى (مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) في البرزخ أيضاً .

37 - (يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا ) أي لا يُمكنهم الخروج منها (وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ) أي دائم .

38 - ثمّ بيّنَ سُبحانهُ حُكم السارق والسارقة فقال (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا ) يريد بالسارق الّذي تعوّد السرقة ، يعني إن سرق ثلاث مرّات تقطع يدهُ إن كان بالغاً عاقلاً ، ففي المرّة الأولى يُضرَب ويُسجَن ، وفي الثانية يُضاعَف لهُ الضرب والسجن ، وفي الثالثة تقطع كفّهُ اليمنى . فإنّ الله تعالى لم يقل من سرق إقطعوا يدهُ ، بل قال (السَّارِقُ) ، وهو الّذي تعوّد على السرقة ، فتقطع يده إذا سرق ديناراً واحداً أو أكثر من ذلك 6 (جَزَاء بِمَا كَسَبَا ) أي إفعلوا ذلك بهما مُجازاةً بكسبهما السرقة (نَكَالاً مِّنَ اللّهِ ) أي عقوبة من الله لهما على فعلهما ، فالنكال معناه العقاب ، ومن ذلك قول زُهير : ولولا أنْ يَنالَ أبا طَرِيفٍ عَذابٌ مِنْ خُزَيْمَةَ أو نَكَالُ (وَاللّهُ عَزِيزٌ ) في مُلكه يعاقب من يخالف أوامره (حَكِيمٌ) فيما يأمركم بهِ من قطع اليد . 7

39 - (فَمَن تَابَ ) عن السرقة (مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ ) ما أفسده بردّ المال المسروق أو الاستحلال من صاحبِهِ بأن يعفوَ عنهُ والعزم على أن لا يعود يسرق مرّةً اُخرى (فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ) أي يقبل توبتهُ (إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ ) للتائبين (رَّحِيمٌ) بالنادمين .

40 - لَمّا نزلت الآية السابقة في حكم السارق والسارقة بأن تقطع أيديهما ، إعترض بعض المنافقين على ذلك وأنكروا قطع اليد ، وكانت هذه وشاية من اليهود لَمّا سمعوا بحكم السارق ، فقالوا لهم إنّ محمّداً يريد أن يقطع أيديكم فليس هذا حكم السارق في التوراة بل حكم من سرق ثوراً فذبحه أو باعهُ أن يعوّض عن الثور بخمسة ثيران وإذا سرق شاة يعوّض عنها بأربعة من الغنم وهذا مكتوب في سِفر الخروج في الإصحاح الثاني والعشرين . فاغتمّ النبيّ (ع) من قولهم وإنكارهم ، فنزلت هذه الآية (أَلَمْ تَعْلَمْ ) يا محمّد (أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) أي مُلك الكواكب السيّارة ومن جملتها الأرض فلا يهمّكَ قولهم وإنكارهم (يُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء ) أي يعذّب مَن يستحقّ العذاب ويغفر لمن تابَ وكان مهيّئاً للغفران (وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .

41 - (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الّذينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الّذينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ) أراد بهم المنافقين (وَمِنَ الّذينَ هِادُواْ ) أي اليهود (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ) يعني المنافقون سمّاعون لكلّ من يكذب عليهم من قومهم المنافقين والكافرين و(سَمَّاعُونَ) أيضاً (لِقَوْمٍ) أي لأجل قومٍ (آخَرِينَ) من اليهود إذ قالوا لهم إنّ محمّداً يريد أن يقطّع أيديكم بهذا الحكم وهو حكمٌ جائر على السارق (لَمْ يَأْتُوكَ ) ليُجادلوك في حكم السارق ولكن وشاية منهم وفتنة دسّوها في المسلمين (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ) يعني يغيّرون الكلام من بعد ما وضعوهُ في المسلمين ودسّوهُ فيهم ، والمعنى : إذا سألتموهم وعاتبتموهم على قولهم هذا أجابوكم بأنّنا لم نتكلّم بكلام يسيء إليكم بل هو من صالحكم (يَقُولُونَ) للمنافقين (إِنْ أُوتِيتُمْ هَـذَا ) الحُكم وهو أن يُغرّم السارق بأربعة أمثال ما سرق . أقول هذا الحكم غير صحيح وغير معقول لأنّ الّذي يسرق البقرة أو الشاة لا بدّ أن يكون فقيراً لا يملك بقرة ولا شاة ، ومن كان كذلك فمن أين له بخمس بقرات ليدفعها غرامة عن فعله هذا ؟ وقد كان حُكم الله في التوراة الأصلية قطعَ اليد كما في القرآن ، ولكنّ عزرا غيّر هذا الحكم في توراتهِ تخفيفاً لحكم السارق . (فَخُذُوهُ) أي إقبلوهُ من محمّد (وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ ) يعني وإن يحكم بما في التوراة (فَاحْذَرُواْ) أن تقبلوهُ لأنّهُ يريد أن يقطع أيديكم . ثمّ وجّه الخطاب إلى رسولهِ فقال تعالى (وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ ) أي تعذيبهُ بسبب ظُلمهِ للناس (فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا ) من هدايته (أُوْلَـئِكَ) الفاسقون واليهود الكافرون (الّذينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ) من الرّين بسبب نفاقهم وظلمهم (لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ) بين الناس يفتَضحون بهِ من سوء أعمالهم وكذب أقوالهم (وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) يعَذَّبون به في جهنّم .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم