كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة المائدة من الآية( 71) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

71 - (وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ ) أي وظنّوا أن لا تكون عُقوبة لهم في الدنيا على أفعالهم هذهِ (فَعَمُواْ) أمام رُسُلنا ولم يلتفتوا إليهم (وَصَمُّواْ) فلم يسمعوا لقولهم فسلّطنا عليهم أعداءهم فأذلّوهم (ثُمَّ تَابَ اللّهُ عَلَيْهِمْ ) بسبب بُكائهم وتضرّعهم إلى الله (ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ ) فانتقمنا منهم بأن بعثنا عليهم ملِك بابل فدمّرهم (وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) معك يا محمّد من مكرٍ وخداع فيعاقبهم على أعمالهم هذه . القصّة : كفر بنو إسرائيل بعد موت سُليمان وأشركوا وعبدوا البعلَ وعشتاروث وعِجلَين من ذهب صنعهما لهم يربُعام وعبدوا الشعرى اليمانيّة ، فأرسل الله لهم أنبياء يُرشدونهم إلى عبادة الله وينذرونهم عن عبادة الأصنام ، فكذّبوهم وقتلوا بعضهم وشرّدوا الآخرين منهم ، ثمّ أرسل إليهم النبيّ إشعيا وإرميا فكذّبوهما ولم يسمعوا لقولهما . فأرسل الله عليهم أليافانا قائد جيش نبوخذنصّر بجيوش جرّارة فحاصرهم وقطع مجرى المياه عنهم فكادوا يموتون عطشاً ، فشكوا ما بهم إلى الله وبَكَوا وتابوا وتذلّلوا وتضرّعوا فعفى الله عنهم وخلّصهم من جيش أليافانا على يد أرملةٍ منهم إسمها يهوديت بأن احتالت على قائد الجيش فقَتَلتْهُ بعد أن سقتهُ خمراً ونام ، وألقى الله الرُعبَ في قلوب جيشهِ فانهزم أمام اليهود ورجع إلى العراق . وبعد بضع سنين عادت حليمة إلى عادتها القديمة كما يُقال في المثَل ، وعادوا إلى كفرهم وإشراكهم فأرسل الله عليهم نبوخذنصّر ملك بابل بجيش جرّار وحاصرهم وقضى عليهم ودمّرهم تدميراً وأخذ الباقين أسرى إلى العراق واستعبدهم سبعين سنة . فالآية السابقة تشير إلى تلك الحوادث باختصار .

72 - ثمّ أخذَ سُبحانهُ في ذمّ النصارى فقال (لَقَدْ كَفَرَ الّذينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ ) حين جاءهم (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ) ولا تُشركوا بهِ أحداً (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ ) فلا يدخلها يوم القيامة وإن صام وصلّى طول حياته (وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ ) الّذينَ يظلمون أنفسهم بعبادة غير الله (مِنْ أَنصَارٍ ) ينصرونهم ويخلّصونهم من العذاب .

73 - ثمّ أخذَ سُبحانهُ في ذمّ الفرقة الثانية من النصارى الّذينَ قالوا بالتثليث فقال (لَّقَدْ كَفَرَ الّذينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ) وهم أبٌ وابنٌ وروح القُدُس ، يعنون بالأب هو الله وهو روح بلا جسد ، والإبن المسيح ، وروح القُدُس هو دخول الروح أي الأب في جسم المسيح ، فصار مركّباً من روح وجسد بزعمهم فسمّوهُ روح القُدُس ، ولذلك يقولون الثلاثة هم واحد . جلّ الله عن المادّة وتعالى عن دخول الأجسام . فردّ الله تعالى عليهم فقال (وَمَا مِنْ إِلَـهٍ ) في الكون (إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ ) هؤلاء المثلِّثون والقائلون باُلوهيّة المسيح (عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الّذينَ كَفَرُواْ ) أي القائلين باُلوهيّة المسيح والقائلين بالتثليث (مِنْهُمْ) أي من النصارى (عَذَابٌ أَلِيمٌ ) في الآخرة

74 - (أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ ) ويتركون هذه الأقوال وهذه العقائد الباطلة الّتي اعتنقوها (وَيَسْتَغْفِرُونَهُ) على ما مضى من إشراكهم وآثامهم (وَاللّهُ غَفُورٌ ) للتائبين (رَّحِيمٌ) بالنادمين .

75 - (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ ) أرسله الله إلى بني إسرائيل ، فقد جاء في إنجيل متّي في الإصحاح العاشر قال المسيح لتلاميذه [من يقبلكم يقبلني ومن يقبلني يقبل الّذي أرسلني ] ، وليس هو أوّل رسول فتقدّمونهُ وتُعظّمونهُ وتجعلونهُ إلاهاً بل (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ) الكثيرة العدد (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ) صدّقت بكلمات ربّها العشر الّتي في الألواح (كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ ) المسيح واُمّهُ ، ومن أكلَ الطعام لابدّ أن يخرج من بطنهِ فيتغوّط ، ومن كان كذلك فكيفَ يجعلونه إلاهاً ويعبدونهُ ؟ (انظُرْ) يا محمّد (كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ) الدالّة على خطئهم وبطلان عقائدهم (ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) أي كيف يُصرَفون عن الحقّ ، ومن ذلك قول ابن السكيت : إِن تَكُ عَن أَحْسَنِ المُرُوءَةِ مَأْ === فُوكاً فَفي آخَرِينَ قد أُفِكُوا فالنظَر الأوّل إنّما هو إلى فِعلِهِ تعالى الجميل في نصب الآيات وإزاحة العِلل ، والنظَر الثاني إلى أفعالهم القبيحة وتركهم التدبّر للآيات . ثمّ زاد اللهُ تعالى في الاحتجاج عليهم فقال :

76 - (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ) اليوم (ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا ) لأنّه مات وصعدت روحهُ إلى السماء مع الملائكة فلا يسمعكم إذا ناديتموهُ ولا يعلم بكم إذا دعَوتموهُ (وَاللّهُ هُوَ السَّمِيعُ ) لمن يناديه (الْعَلِيمُ) بمن يناجيه .

77 - (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ) أي يا أهل الإنجيل (لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ ) أي لا تغالوا في المسيح ولا تتجاوزوا الحدّ فيهِ فهو عبد الله ورسوله أرسلهُ إلى بني إسرائيل كما أرسل رُسُلاً من قبلهِ ، ولا تقولوا في المسيح (غَيْرَ الْحَقِّ ) والحقّ إنّهُ رسول وليس إلاهاً كما تزعمون (وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاءَ ) رؤسائكم وعُلمائكم القسّيسين والرهبان ، فهم (قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ ) عن طريق الحقّ لأجل المال والرئاسة (وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا ) من الناس عن طريق الحقّ (وَضَلُّواْ) بعد موتهم (عَن سَوَاء السَّبِيلِ ) يعني ضلّوا عن طريق الجنّة فوصلوا إلى النار . وإليك ما جاء في الإنجيل من أنّ المسيح واُمّه كانا يأكلان الطعام ، فقد جاء في إنجيل متّي في الإصحاح الحادي عشر قال المسيح [جاءَ ابنُ الإنسان يأكلُ ويشربُ ، فيقولون هوذا إنسانٌ أكولٌ وشرّيب خمرٍ مُحبٌّ للعشّارين والخُطاةِ والحكمةُ تبرّرت من بَنِيهَا .] وجاء في إنجيل لوقا في الإصحاح الرابع والعشرين قال [وبينما غير مُصدّقين من الفرح ومُتعجّبون قال لهم المسيح أعندكم هاهنا طعامٌ ؟ فناولوهُ جزءاً من سمكٍ مشويٍّ وشيئاً من شهدِ عسلٍ ، فأخذ وأكلَ قُدّامهم ] .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم