كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة ق من الآية( 19) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

19 - (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) أي بالوعد الحقّ الذي وعدناهم بهِ من الحساب والعقاب والنعيم والثواب إذ ليس ما بينه وبين ما يلاقي جزاءهُ إلا دقائق (ذَ‌ٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ ) أي تميل وتُنكِر فتقول لا بعث ولا حساب .

20 - (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ) يوم القيامة ( ذَ‌ٰلِكَ) اليوم (يَوْمُ الْوَعِيدِ) بالعذاب الشديد لكلّ كفّار عنيد .

21 - (وَجَاءَتْ) إلى المحشر (كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ) يسوقها إلى المحشر (وَشَهِيدٌ) يشهد عليها . فالسائق هو ملَك الموت ، والشهيد هو رقيب كاتب أعماله .

22 - فحينئذِ يٌقال لهُ (لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا) اليوم والحِساب والعقاب (فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ) بالموت ، والغطاء هو الجسم المادّي الذي كان يغلّف النفس الأثيرية ويقيها من المؤثّرات الخارجية (فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) أي حادّ البصر ، ومن ذلك قول عنترة :

وما زالتْ صوارمُنا حِداداً ..... تقدُّ بِها أناملُنا الحديدا
والمعنى قويّ النظر، والبصر من حواس النفس، أما العين فمن حواس الجسم . وقد سبق شرحها في كتابي الإنسان بعد الموت .
فالكافر يعلم أن له حسنات عملها في الدنيا ولكن لم يجد شيئاً منها في الآخرة فيسأل الملك رقيب فيقول له : "هل لي عندك من حسنات مكتوبة ؟" فأجاب:

23 - (وَقَالَ قَرِينُهُ) رقيب (هَـٰذَا مَا لَدَيَّ) من عمل مكتوب كلّه سيئات (عَتِيدٌ) أي محفوظ مهيّأ . فحينئذٍ يقول الله تعالى للملَكيّن اللَّذَين سبق ذكرهما وهما السائق والشهيد:

24 - (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ) ،

25 - (مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ) أي مانع للزكاة ولصِلة الرحم (مُعْتَدٍ) على الضعفاء (مُّرِيبٍ) أي شاكّ في البعث والحساب .

26 - (الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ) يعبده ، يعني مُشرك (فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ) .

27 - (قَالَ قَرِينُهُ) الذي دعاه إلى الإشراك في دار الدنيا ، وهو رئيسه في الدين (رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ) أي لم آمره بالطغيان على رسولك (وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ) عن الإيمان (بَعِيدٍ) عن الحق .

28 - (قَالَ) الله تعالى لهم (لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ) في دار الدنيا فلم تنزجروا وعصيتم أمري .

29 - (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ) يعني لا تطمعوا أن أغيّر وعيدي وعذابي لمن وعدتهم بالعذاب (وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) فلا أعذِّب بغير ذنب .ثمّ أنذر كفّار مكة فقال الله تعالى :

30 - (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ ) وهي سقر (هَلِ امْتَلَأْتِ ) من كثرةِ ما اُلقيَ فيكِ من الجنّ والإنس (وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ) وهذا مثَل ضربهُ الله تعالى على سعتها لأنّ سقر أكبر من شمسنا الحاليّة بأضعاف ، بينما قدّر الفلكيّون شمسنا أكبر من الأرض بمليون مرّة .

31 - (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ ) أي قُرِّبَتْ (لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ) منالُها والدخول فيها لأنّهم بعد موتهم يدخلون جنّة المأوى فتكون جنّة الفردوس قريبة منهم فيدخلونها يوم القيامة .

32 - (هَذَا مَا تُوعَدُونَ ) بهِ في الآخرة (لِكُلِّ أَوَّابٍ ) أي رجّاع إلى طاعة الله (حَفِيظٍ) لحدود الله لا يتعدّاها .

33 - (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ ) أي في حال خلوتهِ عن الناس يخشَى الله ولا يعصيه (وَجَاءَ) في الآخرة (بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ ) أي مُطيع لله .

34 - فحينئذٍ يُقال لهم (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ) أي اُدخلوا الجنّة بأمان من كلّ مكروه وسلامةٍ من كلّ آفةٍ (ذَلِكَ) اليوم (يَوْمُ الْخُلُودِ ) لا انتِقالَ بعدهُ .

35 - (لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا ) أي لهم ما تشتهي أنفسهم (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ) أي وعندنا زيادة لهم على ما يشاؤونهُ مِمّا لم يرَوا مِثلهُ من قبل . ثمّ أنذر كفّار مكّة فقال الله تعالى:

36 - (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا) أي الذين أهلكناهم كانوا أشدّ تكبراً وانتقاماً من أهل مكة ومشركي العرب (فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ) أصلها فنقِّبوا ، بكسر القاف . وفي الشواذ قراءة ابن عباس وابي العالية ويحيى بن يعمر كلهم قرأوا "فنقِبوا" بكسر القاف . والمعنى : أنتم أيها المشركون نقِبوا في ديارهم الخربة وتتّبعوا آثارهم في الأرض وفي منازلهم الخربة التي تداعت عليهم وأهلكتهم واعتبروا بهم فلستم أقوى من هؤلاء الكافرين المكذّبين للرسل الذين أهلكناهم بالزلازل ولا أنتم أكثر عدداً من الذين دمّرناهم بالأعاصير ، فاستسلِموا لأمرنا وآمِنوا برسولنا كي تنجوا من العذاب وتحصلوا على جزيل الثواب وقوله (هَلْ مِن مَّحِيصٍ) أي هل لكم من خلاص ونجاة من الموت والهلاك إلا بقوّتنا وإرادتنا ؟ ونظيرها في سورة الأنعام {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} .

37 - (إِنَّ فِي ذَ‌ٰلِكَ) أي في أخبار الماضين والتنقيب عن آثارهم (لَذِكْرَىٰ) أي لموعظة (لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ) واعٍ وأذن صاغية . ومن ذلك قول عنترة:

لو كان قلبي معي ما اخترتُ غيركمُ ... ولا رضيتُ سِوَاكُمْ في الهَوى بدَلا
لكنّهُ راغبٌ فيمنْ يعذّبُهُ ...... فليسَ يقبلُ لا لوماً ولا عذَلا
(أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ) يعني أو أصغى إلى القول وإلى قراءة القرآن (وَهُوَ شَهِيدٌ) أي وهو حاضر للاستماع بكلّ قلبِه .

38 - (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ) أي من تعب . وقد سبق شرحها في سورة فاطر وفي كتابي الكون والقرآن أيضاً .

39 - (فَاصْبِرْ) يا محمد (عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ) فيك من تكذيب وسخرية (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) وهو التسبيح المعروف (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) ،

40 - (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) يعني وعند إدبار النجوم ، فالسجود هي النجوم ، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة الطور {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} ، فكلمة "سجود" هي صِفةٌ للنجوم . ومِمّا يؤيّد هذا قوله تعالى في سورة الرحمان {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} . والمعنى : سبّح بحمد ربّك عند إقبال كلّ آية كونيّة تراها ، فسبّح عند إقبال النهار وعند إقبال الليل وعند رؤية النجوم وعند إدبارها فقل : "سُبحان من خلقَها بقدرته وكوّنها بحكمته وأدارها بمشيئته ، سُبحان ربِّ السماوات وربِّ الأرض وربّ العرش العظيم ."

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم