كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة ق من الآية( 36) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

36 - (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا) أي الذين أهلكناهم كانوا أشدّ تكبراً وانتقاماً من أهل مكة ومشركي العرب (فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ) أصلها فنقِّبوا ، بكسر القاف . وفي الشواذ قراءة ابن عباس وابي العالية ويحيى بن يعمر كلهم قرأوا "فنقِبوا" بكسر القاف . والمعنى : أنتم أيها المشركون نقِبوا في ديارهم الخربة وتتّبعوا آثارهم في الأرض وفي منازلهم الخربة التي تداعت عليهم وأهلكتهم واعتبروا بهم فلستم أقوى من هؤلاء الكافرين المكذّبين للرسل الذين أهلكناهم بالزلازل ولا أنتم أكثر عدداً من الذين دمّرناهم بالأعاصير ، فاستسلِموا لأمرنا وآمِنوا برسولنا كي تنجوا من العذاب وتحصلوا على جزيل الثواب وقوله (هَلْ مِن مَّحِيصٍ) أي هل لكم من خلاص ونجاة من الموت والهلاك إلا بقوّتنا وإرادتنا ؟ ونظيرها في سورة الأنعام {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} .

37 - (إِنَّ فِي ذَ‌ٰلِكَ) أي في أخبار الماضين والتنقيب عن آثارهم (لَذِكْرَىٰ) أي لموعظة (لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ) واعٍ وأذن صاغية . ومن ذلك قول عنترة:

لو كان قلبي معي ما اخترتُ غيركمُ ... ولا رضيتُ سِوَاكُمْ في الهَوى بدَلا
لكنّهُ راغبٌ فيمنْ يعذّبُهُ ...... فليسَ يقبلُ لا لوماً ولا عذَلا
(أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ) يعني أو أصغى إلى القول وإلى قراءة القرآن (وَهُوَ شَهِيدٌ) أي وهو حاضر للاستماع بكلّ قلبِه .

38 - (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ) أي من تعب . وقد سبق شرحها في سورة فاطر وفي كتابي الكون والقرآن أيضاً .

39 - (فَاصْبِرْ) يا محمد (عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ) فيك من تكذيب وسخرية (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) وهو التسبيح المعروف (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) ،

40 - (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) يعني وعند إدبار النجوم ، فالسجود هي النجوم ، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة الطور {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} ، فكلمة "سجود" هي صِفةٌ للنجوم . ومِمّا يؤيّد هذا قوله تعالى في سورة الرحمان {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} . والمعنى : سبّح بحمد ربّك عند إقبال كلّ آية كونيّة تراها ، فسبّح عند إقبال النهار وعند إقبال الليل وعند رؤية النجوم وعند إدبارها فقل : "سُبحان من خلقَها بقدرته وكوّنها بحكمته وأدارها بمشيئته ، سُبحان ربِّ السماوات وربِّ الأرض وربّ العرش العظيم ."

41 - (وَاسْتَمِعْ) يا محمد (يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ) فالمنادي هو إسرافيل ، ومحمد قريب منه حينئذٍ لأنّه في السماء ، فينادي إسرافيل النفوس التي كانت على الأرض ، والأرض بعيدة عن المحشر في الفضاء . فلذلك قال الله تعالى في سورة فصّلت {أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} . وقال في هذه السورة (مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ) . لأنّ الخطاب في هذه الآية للنبي (ع) وقد صعدَ إلى السماء حين موتهِ ، وكذلك الأنبياء والشهداء والأولياء كلّهم صعدوا إلى الجنان . أمّا في سورة فصّلت فالمقصود بكلمة {أُوْلَئِكَ} الكافرون الذين يبقون على الأرض إلى يوم القيامة يوم تتمزّق فيه المجموعة الشمسية .

42 - (يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ) أي بالقول الحق كما وعدناهم بِها ، والصيحة تكون من السماء ، وذلك قوله تعالى في سورة ي س {إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} .

(ذَ‌ٰلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ) يخرجون من الأرض ويصعدون إلى الفضاء إلى المحشر وهم نفوس روحانيّة .

43 - (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ) يعني نجعل حياة الأجسام من الماء والتراب ثمّ نعيدها إلى التراب بالموت (وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ) يعني وإلينا مصير النفوس ومرجعها بعد الموت فنعاقبها على سيّئاتها ونجازيها على حسناتها .

44 - (يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا) بعني تتشقّق الأرض وتتقطّع فتكون نيازك وأقمار للكواكب الجديدة ، ونفوس الكافرين حينئذٍ في القبور لتحميَها من أشعة الشمس المحرقة ؛

[ وإنّما تختفي النفوس في القبور لأنّ وجه الأرض يكون مُتساوياً قبل يوم القيامة ليس فيه أبنية لكي تحميَهم من أشعة الشمس وحرارتها ولا جبال ولا شيء آخر فلذلك يختفون في القبور . قال الله تعالى في سورة طاها { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا . فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا . لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} ]
فإذا تشقّقت الأرض ظهرت النفوس للعيان وبانت للأنظار فليس لها ملجأ تلجأ إليه ولا نفق تختفي فيه فحينئذ تنتشر في الفضاء كالجراد (ذَ‌ٰلِكَ) اليوم يوم البعث والحشر (حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ) أي سهل لا صعوبة فيه ، يناديهم إسرافيل فيلبّون دعوته ويجتمعون عنده .

45 - (نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ) في تكذيبهم لك وجحود رسالتك (وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ) فيخافونك بل أنت ليّن العريكة رحيم القلب تغفر الزلّات فلماذا يبتعدون عنك ؟ (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ) الله فينقاد للحق ويؤمن بالله وبرسوله .

تم بعون الله تفسير سورة ق ، والحمد لله ربّ العالمين .

سورة الذاريات

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة السورة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم